يشكل انتخاب أحمد التويزي، النائب البرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسا لمجلس النواب، محطة جديدة في مسار تشكل المؤسسات خلال المرحلة السياسية التي أعقبت الانتخابات التشريعية، بما تطرحه من رهانات تتجاوز توزيع المسؤوليات إلى اختبار قدرة الأغلبية البرلمانية على الانتقال إلى مرحلة الفعل المؤسساتي، ومواكبة الأولويات الحكومية والتشريعية بروح من الانسجام والنجاعة.
وحصول التويزي على 220 صوتا، مقابل 59 صوتا لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي، يمنح هذا الاستحقاق بعده الانتخابي، غير أن دلالته الأوسع ترتبط بما ينتظر المؤسسة التشريعية من أدوار في المرحلة المقبلة، في سياق سياسي يتسم بتعدد الأوراش المطروحة وارتفاع سقف الانتظارات من أداء المؤسسات المنتخبة.
فبعد مرحلة طبعتها نتائج الانتخابات وما أفرزته من مسؤوليات جديدة، ينتقل النقاش إلى طبيعة الأداء الذي ستقدمه الأغلبية داخل البرلمان، ومدى قدرتها على توفير شروط العمل المؤسساتي المنظم، بما يضمن مواكبة الالتزامات الحكومية وتفعيل الدور التشريعي والرقابي للمؤسسة البرلمانية.
– أغلبية تقاس بفعالية الأداء لا بتوزيع المواقع
إن تشكيل الأغلبية البرلمانية لا يختزل في التوافق حول المسؤوليات والمواقع، بقدر ما يستمد أهميته من قدرتها على بناء تصور مشترك للعمل، وتدبير الاختلافات الداخلية، وترتيب الأولويات وفق الحاجيات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، تبرز أمام مكونات الأغلبية مسؤولية الانتقال من منطق التفاهمات السياسية إلى منطق الالتزام العملي، عبر الانخراط في عمل تشريعي يستجيب للتحولات التي تعرفها البلاد، وممارسة الرقابة على العمل الحكومي بما يسهم في تحسين السياسات العمومية، وتعزيز أثرها الملموس في حياة المواطنين.
فالانسجام داخل الأغلبية لا يعني غياب النقاش أو توحيد المواقف في جميع القضايا، وإنما القدرة على تدبير التباينات في إطار من المسؤولية، والاحتكام إلى الأولويات المشتركة، مع احترام قواعد العمل البرلماني ومقتضياته الدستورية.
كما أن قوة الأغلبية لا تقاس فقط بحجم تمثيليتها أو قدرتها على حسم الاستحقاقات الداخلية، بل كذلك بمدى انتظام عملها، وجودة المبادرات التي تقدمها، وقدرتها على التفاعل مع انتظارات المجتمع.
ويضع هذا التحول مكونات الأغلبية أمام مسؤولية مضاعفة؛ فمن جهة، يتعين عليها توفير شروط الاستقرار السياسي اللازم لتنفيذ الالتزامات الحكومية، ومن جهة أخرى، يتعين عليها الاضطلاع بأدوارها البرلمانية كاملة، بما يجعل المؤسسة التشريعية فضاء لإنتاج الحلول وتجويد النصوص القانونية وتقييم السياسات العمومية، وليس مجرد امتداد آلي للعمل الحكومي.
– تكامل المؤسسات.. شرط لنجاعة البرنامج الحكومي
ويكتسي هذا الرهان أهمية خاصة في ظل المرحلة السياسية الجديدة، التي تضع الحكومة والبرلمان أمام مسؤولية مشتركة في تنزيل الاختيارات المعلنة والاستجابة للأولويات الوطنية، فنجاح العمل الحكومي لا يرتبط فقط بمدى وضوح برنامجه أو قدرته على تعبئة الإمكانات اللازمة لتنفيذه، بل يتوقف أيضا على جودة الإطار التشريعي المؤطر للسياسات العمومية، وفعالية آليات المراقبة والتقييم، وقدرة المؤسسة التشريعية على مواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يبرز التكامل بين الحكومة والبرلمان باعتباره أحد شروط الفعالية المؤسساتية، من دون أن يعني ذلك تراجع استقلالية المؤسسة التشريعية أو اختزال أدوارها في المصادقة على المبادرات الحكومية، فالعلاقة بين الطرفين ينبغي أن تقوم على وضوح الاختصاصات، والتفاعل المسؤول، واحترام الوظائف الدستورية لكل مؤسسة، بما يجعل التنسيق رافعة لتحسين الأداء العمومي، ويضمن في الوقت ذاته ممارسة البرلمان لسلطته في التشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية.
ومن شأن هذا التوازن أن يمنح الأغلبية البرلمانية دورا يتجاوز تأمين الدعم السياسي للحكومة، لتصبح شريكا في بلورة الحلول التشريعية ومواكبة الإصلاحات، من خلال التفاعل مع حاجيات المواطنين، والانفتاح على مقترحات مختلف الفرق والمكونات البرلمانية، واستحضار الأثر العملي للنصوص القانونية على الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
وفي المقابل، تظل المعارضة مكونا أساسيا في الحياة البرلمانية، بما تضطلع به من أدوار في النقاش والمساءلة وتقديم البدائل، ومن ثم، فإن فعالية الأغلبية لا تتعارض مع حيوية المعارضة، بل إن جودة النقاش البرلماني تقتضي توفير شروط التعددية واحترام الاختلاف، بما يعزز الثقة في المؤسسات المنتخبة ويمنح القرارات المتخذة أساسا أوسع من النقاش والتقييم.
– من المسؤولية السياسية إلى الحصيلة الملموسة
بالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، يندرج انتخاب أحمد التويزي في سياق انتقال الحزب إلى مرحلة جديدة من تحمل المسؤوليات داخل المؤسسات، وهي مرحلة تضع الأداء والنتائج في صلب التقييم السياسي، فالمواقع المؤسساتية، مهما بلغت أهميتها، تظل وسائل لخدمة العمل العام، وتكتسب قيمتها من خلال ما تتيحه من فرص لتطوير الأداء التشريعي، وتحسين التنسيق بين المؤسسات، والإسهام في الاستجابة للانتظارات المجتمعية.
ويضع تولي رئاسة مجلس النواب أمام التويزي مسؤولية تدبير أشغال المؤسسة بما يحفظ انتظام عملها، ويضمن احترام قواعدها، كما تفرض المرحلة المقبلة مواصلة العمل على تعزيز مكانة البرلمان باعتباره فضاء للنقاش العمومي وصناعة التشريع ومراقبة السياسات العمومية، بما يتطلبه ذلك من انفتاح وفعالية وحسن تدبير للاختلاف.
وبذلك، فإن الرهان الذي يرافق استكمال تشكيل هياكل المؤسسة التشريعية لا يتعلق فقط بتوزيع المسؤوليات في مستهل الولاية الجديدة، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى دينامية عمل منتظمة ومنتجة، وهي مسؤولية تتقاسمها الأغلبية في التزامها ببرنامجها وأولوياتها، والحكومة في تنفيذ تعهداتها، والبرلمان في أداء وظائفه الدستورية، ضمن علاقة قوامها التكامل واحترام استقلالية الأدوار.
فالمرحلة المقبلة ستمنح العمل المؤسساتي فرصة لإثبات قدرته على تحويل التوافقات السياسية إلى نتائج قابلة للقياس، وستجعل من الحصيلة التشريعية والرقابية، ومن أثر السياسات العمومية على حياة المواطنين، المعيار الأهم لتقييم أداء مختلف المؤسسات.
سارة الرمشي