سجلت؛ آلية الإفراج المقيد بشروط في المغرب تطورا لافتا خلال السنوات الأخيرة، حيث عرفت ارتفاعا كبيرا في عدد المستفيدين منها، في إطار توجه يرمي إلى إرساء توازن بين إعادة إدماج السجناء داخل المجتمع والحفاظ على الأمن العام.
وكشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، في جواب كتابي على سؤال لأحمد التويزي، رئيس فريق حزب الأصالة والمعاصرة بمجلس النواب، أن تفعيل هذه الآلية عرف طفرة واضحة خلال الولاية الحكومية الحالية، ما يعكس توجها متزايدا نحو اعتماد مقاربات حديثة في تدبير السياسة الجنائية.
وأوضح الوزير أن نظام الإفراج المقيد بشروط يقوم على فلسفة مزدوجة تجمع بين منح المحكوم عليهم فرصة التحرر التدريجي من العقوبة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على آليات المراقبة والضبط المؤسساتي لتفادي أي مخاطر محتملة.
وأكد أن هذه الآلية لا تعني التخلي عن العقوبة التي أقرتها السلطة القضائية، بل تمثل أسلوبا عقلانيا لتدبير مرحلتها الأخيرة بما يحقق التوازن بين متطلبات الإدماج وحماية المجتمع.
وأبرزت المعطيات الرسمية التي قدمها الوزير أن عدد المستفيدين عرف تصاعدا ملحوظا خلال السنوات الأربع الماضية؛ إذ ارتفع من 160 حالة سنة 2022 إلى 204 حالات في 2023، ثم 371 حالة خلال 2024، قبل أن يبلغ 835 مستفيدا سنة 2025.
وبذلك بلغ مجموع المستفيدين من هذه الآلية 1570 شخصا خلال أربع سنوات فقط، وهو رقم يفوق بكثير ما سجل خلال ثماني سنوات سابقة، حيث لم يتجاوز العدد آنذاك 113 حالة، ما يعكس تحولا واضحا في مستوى تفعيل هذا النظام داخل السياسة الجنائية بالمملكة.
ولإبراز حجم هذا التحول، استعرض وهبي أرقام السنوات السابقة، حيث لم يتعد عدد الحالات خمس حالات سنتي 2014 و2015، قبل أن يرتفع إلى 48 حالة سنة 2016، ثم يتراجع إلى ست حالات سنة 2017، و12 حالة سنة 2018، و31 حالة سنة 2019، فيما لم تسجل أي حالة سنة 2020، مقابل 13 حالة فقط خلال سنة 2021.
وأكد الوزير أن الاستفادة من الإفراج المقيد بشروط تخضع لمجموعة من الضوابط القانونية الدقيقة، إذ تتم بناء على طلب يقدمه المعني بالأمر أو أحد ذويه، مبرزا أن هذه الآلية أصبحت اليوم جزءا من التوجهات الحديثة في السياسة العقابية التي تسعى إلى الانتقال من منطق “العقوبة المغلقة” إلى “العقوبة التدبيرية”، بما يعزز العلاقة بين المؤسسة السجنية والمجتمع.
وأشار وهبي إلى أن هذه الآلية تسهم في الحد من ظاهرة العود إلى الجريمة، كما تساعد في التخفيف من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، فضلا عن انسجامها مع التزامات المغرب الدولية المرتبطة بضمان المعاملة الإنسانية للسجناء.
وفي سياق تطوير الإطار القانوني، أفاد الوزير بأن مراجعة قانون المسطرة الجنائية أتاحت إدخال تعديلات تروم تحسين نظام الإفراج المقيد بشروط، من خلال توسيع دائرة المستفيدين وتخفيف بعض الشروط بالنسبة للفئات الهشة، مثل المصابين بأمراض خطيرة، والمسنين، والأحداث، إضافة إلى النساء الحوامل والمرفقات بأطفالهن.
كما شملت هذه الإصلاحات منح الأولوية للحالات الإنسانية عند دراسة الطلبات، وتعزيز دور لجان مراقبة السجون، والرفع من عدد دورات لجنة الإفراج، إلى جانب توسيع اختصاصات قاضي تطبيق العقوبة لتشمل متابعة المستفيدين بعد الإفراج.
وفي خطوة تروم تسهيل الولوج إلى هذه الآلية، أعلنت وزارة العدل عن إطلاق منصة رقمية مخصصة لتلقي طلبات الإفراج المقيد بشروط، مرفوقة بحملة تحسيسية عبر وسائل الإعلام الرسمية، حيث استقبلت هذه المنصة ما مجموعه 2486 طلبا خلال سنة 2025.
كما تم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة العدل ومؤسسة محمد السادس لإعادة إدماج السجناء، بهدف مواكبة المستفيدين عبر برامج للرعاية اللاحقة وإعادة الإدماج الاجتماعي.
وعلى مستوى النتائج، كشف الوزير أن حالات إلغاء الإفراج بسبب ارتكاب جرائم جديدة خلال فترة الاختبار ظلت محدودة جدا، إذ لم تتجاوز 16 حالة فقط، أي ما يعادل 0.9 في المئة من مجموع المستفيدين.
وختم وهبي بالتأكيد على أن تقييم فعالية هذه الآلية ينبغي أن يتم في إطار مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف التحديات القانونية والمؤسساتية والاجتماعية، مبرزا أن نجاح الإفراج المقيد بشروط يظل مرتبطا أيضا بوجود بيئة استقبال مناسبة، تشمل برامج إعادة الإدماج ودور المجتمع المدني وإسهام القطاع الخاص وسوق الشغل.
سارة الرمشي