ونحن نقترب من محطة شتنبر المقبل، محطة الاستحقاقات التشريعية، كمحطة تراكمية على مسار ترسيخ الاختيار الديموقراطي الذي نهجته بلادنا؛ وأخذا بعين الاعتبار مختلف التحديات الدولية والوطنية التي تواجهها بلادنا في السياق الراهن، واعتبارا لمهام وأدوار الفاعل السياسي الحزبي في استثمار هذا التراكم من أجل التقدم درجة نوعية على سلم الجودة الانتخابية وفعاليتها بما ينعكس إيجابيا على الأداء العام، أداء هذا الفاعل السياسي الحزبي، وأداء المؤسسات الذي يحقق من خلالها وجوده وفعاليته ووظيفته، يظل الخطاب السياسي واحدا من أهم مداخل تنمية هذه الجودة وتحققها على أرض الواقع، لما يمكن أن يحدثه من أثر في ميزان الفعالية والمصداقية والجدية والثقة والقرب.
وحيث أن بلادنا اليوم، يستعد قطار نموذجها التنموي لدخول محطة جديدة ونوعية، شكلا ومضمونا، هي محطة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي وضع اختياراتها الاستراتيجية جلالة الملك محمد السادس نصره الله في خطبه السامية الأخيرة، وتناولها المجلس الوزاري الأخير ليوم 09 أبريل المنصرم في خطوطها العريضة.
يقتضي المنطق أن تقيم ما يكفي من الترابط والتماسك والانسجام بين هذا الخطاب السياسي الحزبي ورهانات التنمية في جيلها الجديد. ولهذا يجب أن ندخل هذه المحطة الجديدة متسلحين، دولة ومجتمعا، بمقاربة جديدة في الحكامة؛ ومستبطنين لمقاربة جديدة في عملنا السياسي، مقاربة تستمد قوتها من خطاب سياسي نوعي، مبني على التراكم، ومبني على تجديد في الرؤية، ومبني على آليات جديدة ومبتكرة في التواصل والتأطير، والتنظيم، والترافع، والاقتراح.
حزب الأصالة والمعاصرة، كما نعرف، حزب انبثق ضمن سياق زاخر وغني، سياق العهد الجديد والمفهوم الجديد للسلطة؛ وسياق الإنصاف والمصالحة؛ وسياق رهانات النهوض بالاقتصاد الوطني وتطوره؛ وسياق رهانات المبادرة الملكية لإصلاح مدونة الأسرة؛ وسياق رهانات إدماج المرأة والشباب في التنمية عبر مختلف آليات التمكين؛ وسياق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية؛ وسياق رهانات الوحدة الترابية للمملكة من خلال مسار حشد الدعم الدولي حول مشروع الحكم الذاتي وتثبيت الشرعية الدولية المستندة إلى شرعية متعددة الروافد، الجغرافية، والتاريخية، والقانونية، والتنموية؛ ثم سياق رهانات الدولة الاجتماعية بمختلف أبعادها، لترسيخ العدالة الاجتماعية القائمة على تقليص الفوارق بين الفئات الاجتماعية، والعدالة المجالية القائمة على تقليص الفوارق بين السرعتين.
وها هو، حزبنا، حزب الأصالة والمعاصرة، اليوم، من خلال تجربته السياسية الراهنة، ومن خلال واجهة تدبير الشأن العام والسياسات العمومية، من داخل مؤسسة الحكومة ومؤسسة المجالس الجهوية والإقليمية والمحلية يعزز شرعية ميلاده بشرعية الفعل، بشرعية التفاوض والتعاقد والعمل المشترك، وبشرعية الفعالية والجرأة في ابتكار الحلول، وبشرعية الإنجاز المتراكم.
وبما أنه حزب، ليس بحزب الهامش ولا بحزب المصالح ولا بحزب الموجة العابرة للحدود، ولا بحزب صنعته الإيديولوجيا الأحادية، وأنه حزب لا يستمد شرعيته من شعبوية متحيزة، بقدر ما صنعته دينامية الواقع في تعددها وفعاليتها وتنوع رؤاها؛ فهو حزب يتفاعل مع الدينامية المجتمعية ويستمد وجوده وشرعيته من هذه الدينامية.
لذلك فهو يتمتع بالصحة والعافية، يمارس، يجتهد، يواجه، بل ويقتحم بإيمان عميق، وبشجاعة واضحة، المسكوت عنه أحيانا، يخطئ ويصيب، لكنه في حالة تطور، وما تثيره القضايا التي يقاربها من تفاعلات وردود الفعل، بل وحتى الضجيج أحيانا، من جهة، والديناميكية الداخلية التي يعرفها الحزب من جهة ثانية، دليل على ذلك، سواء على مستوى قوته الاقتراحية لإنجاز التحول الممكن في القضايا الكبرى، أو على مستوى نموذجه في القيادة المتمثلة في القيادة الجماعية، أو على مستوى تنظيماته الموازية وما تعرفه من ديناميكية تكوينية وتأطيرية منفتحة على المستقبل.
وفي هذا السياق أؤكد على فكرة جوهرية تفيد أن الخطب الملكية السامية تعد بمثابة الإطار الاستراتيجي للاختيارات الوطنية، في حين المرجعية المذهبية للحزب السياسي التي صادق عليها المؤتمر، وإطارات الحزب التنظيمية كآليات لتفعيل هذه الرؤية، هي الإطار المنهجي الحاضن الذي من خلاله نتفاعل ونتشابك مع هذه الاختيارات الاستراتيجية، ونسعى لتصريفها وتفعيلها بما يتطلبه الأمر من جدية واجتهاد، في ضوء الخصوصيات المحلية، والإقليمية، والجهوية، والوطنية.
وحيث أن إطار الاختيارات الاستراتيجية، على الدوام، في حالة تطور وديناميكية إنتاجية، فإن الإطار المنهجي الحزبي، بدوره، عليه أن يواكب هذه الديناميكية، إن على مستوى قناعاته ومواقفه التي يجب أن تتسم بالانسجام والتكامل، وهذا ما هو متحقق، أو على مستوى مقترحاته التي يجب أن تتميز بالابتكار والإبداع وهذا ما هو ملحوظ، أو على مستوى ممارساته التي تتسم بالجدية والالتزام والنضج والفعالية الميدانية، وهذا ما هو واجب.
وهذه الفكرة الجوهرية تقودني، لأستحضر ثلاث محطات أساسية أجدها في غاية الأهمية. وهي:
المحطة الأولى:
محطة الخطاب الملكي السامي الذي وجهه جلالة الملك إلى شعبه الوفي يوم السبت 29 يوليوز 2023 بمناسبة عيد العرش المجيد، والذي احتل فيه لفظ “الجدية” باعتبارها قيمة ورؤية ومنهجا في العمل، موقعا مركزيا. حيث أكد جلالته على ما يلي:
ـ “إن المغاربة معروفون بالجدية والتفاني في العمل متخذا من الجدية جسرا رابطا بين الماضي والحاضر والمستقبل”.
ـ “إن مسارنا التنموي وصل إلى درجة من التقدم والنضج، لذلك نحن في حاجة إلى هذه الجدية، للارتقاء به إلى مرحلة جديدة، وفتح آفاق أوسع من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، التي يستحقها المغاربة”.
ـ ” إن الجديةَ حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات”.
ـ “إن الجدية تتجلى، في مجال الإبداع والابتكار، الذي يتميز به الشباب المغربي، في مختلف المجالات”.
ـ “إن الجدية تتجسد عندما يتعلق الأمر بقضية وحدتنا الترابية”.
ـ “إن الجدية يجب أن تظل مذهبنا في الحياة والعمل، وأن تشمل جميع المجالات: في الحياة السياسية والإدارية والقضائية، من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة. وفي المجال الاجتماعي، وخاصة قطاعات الصحة، والتعليم، والشغل، والسكن”.
ـ” إن الجديةَ كمنهج متكامل تقتضي ربط ممارسة المسؤولية بالمحاسبة، وإشاعة قيم الحكامة والعمل والاستحقاق وتكافؤ الفرص”.
وفي ظل ما يعرفه العالم، من اهتزاز في منظومة القيم والمرجعيات، وتداخل العديد من الأزمات، فإننا في أشد الحاجة إلى التشبث بالجدية، بمعناها المغربي الأصيل: في التمسك بالقيم الدينية والوطنية، وبشعارنا الخالد: الله- الوطن- الملك؛ في التشبث بالوحدة الوطنية والترابية للبلاد؛ في صيانة الروابط الاجتماعية والعائلية من أجل مجتمع متضامن ومتماسك؛ في مواصلة مسارنا التنموي، من أجل تحقيق التقدم الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.
المحطة الثانية:
محطة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية الحادية عشرة يوم 10 أكتوبر 2025 حيث وجه صاحب الجلالة الملك خطابا ساميا إلى أعضاء البرلمان. من بين ما تضمنه هذا الخطاب:
ـ “إنه ينبغي إعطاء عناية خاصة، لتأطير المواطنين، والتعريف بالمبادرات التي تتخذها السلطات العمومية، ومختلف القوانين والقرارات، لا سيما تلك التي تهم حقوق وحريات المواطنين، بصفة مباشرة”.
ـ “إن المسألة ليست مسؤولية الحكومة وحدها، وإنما هي مسؤولية الجميع، بمن فيهم الأحزاب السياسية والمنتخبين، في مختلف المجالس المنتخبة، وعلى جميع المستويات الترابية، إضافة إلى وسائل الإعلام، وفعاليات المجتمع المدني، وكل القوى الحية للأمة”.
ـ “إن توجه المغرب الصاعد، من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، يتطلب اليوم، تعبئة جميع طاقاته. فالتحول الكبير، الذي نسعى إلى تحقيقه على مستوى التنمية الترابية، يتطلب تغييرا ملموسا في العقليات، وفي طريقة العمل، وترسيخا حقيقيا لثقافة النتائج؛ وذلك بناء على معطيات ميدانية دقيقة، وباستعمال التكنولوجيات الرقمية”.
وفي هذا الصدد، دعا جلالة الملك الجميع، كل من موقعه، إلى محاربة كل الممارسات، التي تضيع الوقت والجهد والإمكانات؛ لأنه من غير المقبول التهاون في نجاعة ومردودية الاستثمار العمومي، يقول جلالة الملك.
المحطة الثالثة:
محطة المجلس الوزاري الأخير الذي ترأسه صاحب الجلالة الملك يوم 09 أبريل 2026 والذي يعتبر محطة نوعية، قدم خلاله السيد وزير الداخلية عرضا بين يدي جلالة الملك، حول الخطوط العريضة لحكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي تعتمد على مقاربة جديدة تسعى إلى ترسيخ المكتسبات وابتكار آليات جديدة في حكامة التنمية وجودة الأداء، أفقها الربط بين العدالة الاجتماعية والعدالة المجالية وتسريع وتيرة الإنجاز وتقليص مساحات البيروقراطية الإدارية في تفعيل المشاريع وربط المسؤولية والمحاسبة.
ما المخرجات التي ننتهي إليها عبر هذه المحطات الثلاث ونحن نقارب الخطاب السياسي في علاقته برهانات التنمية؟
بالتأكيد هناك مخرجات كثيرة قابلة للاستثمار، باعتبارها اختيارات استراتيجية تحتاج إلى تصريف، لكني، كمناضلة في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أعتز بالانتماء إلى صفوفه، وكفاعلة من داخل منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، أود التركيز على بعضٍ منها وذلك لمقاربة سؤال محوري يقول: أي خطاب سياسي حزبي ننتظره نحن، أولا، من ذواتنا الحزبية، وتنتظره، ثانيا، منا قواعدنا الحزبية في مختلف مواقعها التنظيمية؟ بل، وأي خطاب سياسي حزبي ينتظره منا المواطن الذي نتوجه إليه في المرحلة الراهنة أولا وأخيرا؟
مقترح الجواب على هذا السؤال المركب أجده ينتظم في خمس قدرات مفتاحية لكل منها آليات تحققها في الذات كما في الآخر. وهي:
1- القدرة على الإنصات بصدق؛
2- القدرة على التواصل الفعال؛
3- القدرة على التفاوض المنتج؛
4- القدرة على التأثير الإيجابي؛
5- القدرة على التوجيه السديد؛.
السؤال هو ما هي محددات هذه العبارات المفتاحية في الخطاب السياسي الحزبي؟ الجواب نستحضره ضمن دائرة مفتوحة من ست خصائص موجهة:
1- خطاب حزبي يعترف بدينامية الواقع وخصوصياته، حيث يصبح خطاب القرب والفعالية الميدانية هي الأساس بما يسهم في فرز نخب حزبية محلية وجهوية قادرة على استيعاب تحديات الواقع والتفاعل مع رهانات المستقبل؛
2- خطاب حزبي يعترف بالدينامية الداخلية للحزب بما تتطلبه من رؤية جديدة في التواصل والتعبئة، وفرز الأطر التي تمثل الحزب خير تمثيل، بما يقتضيه ذلك من المراهنة على الكفاءة والمصداقية والرصيد الشعبي فذاك ما يسهم في خلق جسور التواصل بين الممارسة المحلية والجهوية من جهة، والممارسة السياسية الوطنية من جهة ثانية. إذ ليس من المعقول أن نستهدف تحقيق أهداف جديدة بأدوات قديمة وخطابات مستهلكة، وموارد بشرية جهوية ومحلية بعضها يعيد إنتاج ذاته وممارساته في أحسن الأحوال.
3- خطاب حزبي يبدع في آليات التواصل والتعبئة والتأطير. ففي عالم متحول يتسم باللايقين والتشكيك في مختلف السرديات التي ارتهن إليها زمنا طويلا، من جهة، وفي ظل التحول الديموغرافي الوطني الذي أفصحت عنه آخر تقارير المندوبية السامية للتخطيط، من جهة ثانية؛ على حزبنا أن يكون حزبا مرنا في تنظيمه، منفتحا في آلياته وأسلوبه، متجددا في قناعاته، واقعيا في مقترحاته وبرامجه، قادرا على ابتكار تقنيات جديدة في التواصل والتعبئة والتفاوض وتسويق منجزاته، كما اختياراته ومواقفه؛
4- خطاب حزبي يشرك المواطن ويسعى إلى تفعيل آليات الانصات المبتكرة، حيث لم يعد الحزب الأقوى هو الحزب الذي يقوم على قاعدة واسعة من المنتمين والمنخرطين، وإنما الحزب الذي يعرف دينامية داخلية قوية، تجعله منفتحا على كل فئات المجتمع المدني، حزب تستطيع نخبه وأطره خلق مساحات واسعة من المتعاطفين الذين يجدون في خطاب هذه النخب وهؤلاء الأطر الجدية والإرادة والعزيمة والمبادرة والمصداقية في الفعل وجودة في الأداء والإنجاز. فالشأن العام بات شفافا بفعل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم، والممارسات السياسية والتنظيمية صارت مفتوحة في وجه العموم، منفتحة على النقد والمعارضة والاستثمار الشعبوي كما هي منفتحة على الدعم والمساندة والتعاطف؛
5- خطاب حزبي يعترف بالأخطاء، ولا يخشاها، ولا يغطي الشمس بالغربال، لكنه في الوقت ذاته لا يعيد إنتاج مدخلاتها، لا يعيد إنتاج نفس الآليات، ونفس الوجوه، ونفس أساليب الأداء، وإنما يسعى إلى التجاوز، إلى طرح البدائل الممكنة، إلى التجاوب بقوة مع الاختيارات الاستراتيجية التي يضعها جلالة الملك من جهة، وإلى التجاوب بفعالية مع المجتمع وديناميكية الواقع وخصوصيات المجال، من جهة ثانية. وذاك هو دور الحزب كوسيط يعي أدواره الاجتماعية والتاريخية، بل وأدواره الاستراتيجية، أيضا، باعتباره قوة حية منبثقة من عمق المجتمع وتعبر عن تحولاته العميقة.
6- وأخيرا خطاب لا يستند إلى الشعبوية ولا إلى السطحية. خطاب لا يتوقف عند التشخيص وشيطنة الآخر، ولا عند تفكيك السرديات، وإنما هو خطاب يجعل مصلحة الأمة فوق كل اعتبار، خطاب يعترف بالتعدد والتنوع الذي تعبر عنه الدينامية المجتمعية، ما دامت الأمة المغربية تستمد قوتها من خصوصيتها، ومن قدرتها على تجسيد هذه اللحمة المتينة، بين مختلف مكونات الأمة المغربية، ملكية ودولة ومجتمعا. ومن قدرتها على تحصين الجدلية التاريخية بين الثوابت والمتغيرات في هذه الأمة العظيمة، ومن قدرتها على ترسيخ الجسور بين الأصالة والمعاصرة، هذه الأصالة باعتبارها قوة ثبات في التاريخ، وهذه المعاصرة باعتبارها قوة ثبات في الجغرافيا.
دة. نجلاء الوركلي
عضو المكتب التنفيذي لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة