في النقاش حول القدرة الشرائية ومستوى المعيشة، تحضر الطبقة المتوسطة باعتبارها واحدة من أكثر الفئات تأثرا بتزايد تكاليف الحياة وتعدد الالتزامات الأسرية، وبين مصاريف السكن والتعليم والصحة والنقل، تجد هذه الفئة نفسها مطالبة بالحفاظ على مستوى معيشي مستقر، في وقت لا تواكب فيه مداخيلها دائما حجم النفقات.
من هذا المنطلق، يضع حزب الأصالة والمعاصرة مسألة حماية الطبقة المتوسطة ضمن التصور الاقتصادي والاجتماعي الذي يقترحه للمرحلة المقبلة، من خلال مقاربة لا تكتفي برفع المداخيل، وإنما تستهدف أيضا تخفيف الضغط الضريبي والحفاظ على القدرة الشرائية وخلق شروط نمو اقتصادي أكثر إنتاجا لفرص الشغل.
الإصلاح الضريبي في قلب المقاربة
أحد أبرز المقترحات التي يتضمنها البرنامج الانتخابي للحزب يرتبط بإعادة هيكلة الضريبة على الدخل، ويقترح البام الانتقال من ستة أشطر ضريبية إلى ثلاثة فقط، مع خفض المعدل الهامشي الأقصى.
وبحسب البرنامج، ستعفى الأجور الخام التي تقل عن 15 ألف درهم من الضريبة على الدخل، أي ما يعادل حوالي 12.500 درهم صافيا، فيما سيطبق معدل 10 في المائة على الأجور التي تتراوح بين 15 ألفا و46 ألف درهم، و20 في المائة على الأجور التي تتجاوز 46 ألف درهم.
ويقدم الحزب هذا الإصلاح باعتباره مدخلا لتحقيق قدر أكبر من الإنصاف، وتخفيف العبء عن الأجراء، مع توسيع الوعاء الضريبي من خلال إدماج الأنشطة الاقتصادية في القطاع المهيكل، بدل الاعتماد على زيادة الضغط الجبائي على الفئات التي تؤدي ضرائبها بشكل منتظم.
من حماية الدخل إلى حماية القدرة الشرائية
لكن مقاربة الطبقة المتوسطة في البرنامج لا تتوقف عند الضريبة على الدخل، فهي تتقاطع بشكل مباشر مع الإجراءات التي يقترحها الحزب ضمن ميثاق القدرة الشرائية.
فالبرنامج يربط تحسين الوضع المعيشي بإعادة النظر في مسالك توزيع المنتجات الأساسية، التي يعتبر أن الوسطاء يستحوذون فيها على حصة مهمة من السعر النهائي، إلى جانب إجراءات تتعلق بتنظيم أسواق الجملة والتموين وتوجيه جزء من الإنتاج نحو السوق الوطنية.
كما يقترح مجانية فواتير الكهرباء التي تقل عن 100 درهم شهريا، إلى جانب رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر تدريجيا إلى ألف درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 3 آلاف درهم ابتداء من السنة الثانية من الولاية المقترحة.
هذه الإجراءات، وإن كانت تستهدف شرائح اجتماعية مختلفة، تنعكس بشكل مباشر على الطبقة المتوسطة، التي لا تستفيد دائما من برامج الدعم الموجهة إلى الفئات الأكثر هشاشة، وفي الوقت نفسه تواجه ارتفاعا مستمرا في كلفة عدد من الحاجيات الأساسية.
النمو.. شرط أساسي حتى لا تتحول الحماية إلى عبء
في المقابل، يقر البرنامج بأن تحسين القدرة الشرائية والحفاظ على تماسك الدولة الاجتماعية يحتاجان إلى اقتصاد قادر على إنتاج الثروة.
ولهذا يراهن البام في ميثاق النمو والاستدامة على تحقيق معدل نمو متوسط في حدود 5 في المائة خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031، مقابل حوالي 3,7 في المائة خلال الفترة 2022-2025، مع التحكم في التضخم في حدود 2 في المائة والحفاظ على عجز الميزانية في سقف 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي.
ويضع البرنامج التشغيل في قلب هذه المعادلة، من خلال هدف خلق مليون منصب شغل صاف على الأقل خلال الولاية الخماسية، أي بمعدل لا يقل عن 200 ألف منصب سنويا، مع السعي إلى خفض معدل البطالة إلى 7 في المائة في أفق 2031.
وتتوزع هذه الأهداف على قطاعات يعتبرها الحزب ذات قدرة أكبر على خلق فرص الشغل، من بينها الخدمات ذات القيمة المضافة، والصناعة وتعويض الواردات، والفلاحة والأنشطة المرتبطة بالعالم القروي، إضافة إلى اقتصاد الرياضة.
طبقة متوسطة أقوى.. اقتصاد أكثر توازنا
بهذه المقاربة، يقدم حزب الأصالة والمعاصرة الطبقة المتوسطة باعتبارها جزءا من المعادلة الاقتصادية وليس مجرد فئة مستهدفة بإجراء اجتماعي.
فكلما ارتفع الدخل المتاح للأسر، وانخفض العبء الضريبي، واستقرت الأسعار، وتحسنت جودة الخدمات العمومية، يصبح بإمكان الأسرة المتوسطة توجيه جزء أكبر من مواردها نحو الاستهلاك أو الادخار أو الاستثمار في التعليم والسكن والمشاريع.
وهنا يلتقي الرهان الاجتماعي بالرهان الاقتصادي في البرنامج: حماية الطبقة المتوسطة لا تتم فقط عبر تحويلات مباشرة، وإنما عبر تخفيف الضغط عنها، ورفع قدرتها الشرائية، وخلق اقتصاد أكثر قدرة على النمو وإنتاج فرص الشغل.
وبذلك يضع الحزب الطبقة المتوسطة في موقع يتجاوز فكرة المستفيد من السياسات العمومية، لتصبح، وفق هذا التصور، إحدى الركائز التي يمكن أن يستند إليها النمو الاقتصادي واستقرار المجتمع خلال المرحلة المقبلة.
سارة الرمشي