تدخل بلادنا مرحلة انتخابية جديدة، مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة يوم الأربعاء 23 شتنبر 2026، وهي محطة سياسية ومؤسساتية تكتسي أهمية خاصة، ليس فقط لأنها ستحدد تركيبة مجلس النواب للولاية المقبلة، وإنما لأنها تأتي في سياق وطني مختلف عن ذلك الذي أحاط بالاستحقاقات السابقة.
فالمغرب الذي يتوجه إلى صناديق الاقتراع في شتنبر 2026 ليس هو مغرب 2021، خمس سنوات تفصل بين المحطتين، وهي سنوات حملت معها تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وأفرزت انتظارات جديدة لدى المواطنات والمواطنين، كما راكمت خلالها البلاد أوراشاً ومشاريع وسياسات عمومية، مقابل استمرار تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والماء، والاستثمار، والعدالة المجالية، وغيرها من الملفات التي ستجد طريقها، بشكل أو بآخر، إلى النقاش الانتخابي.
ومن هنا تأتي أهمية استحقاقات 23 شتنبر: فهي ليست مجرد موعد لتجديد أعضاء مجلس النواب، بل محطة لاختبار منسوب الثقة في المؤسسات، وقدرة الأحزاب على تقديم أجوبة مقنعة، وقدرة المرشحين على الانتقال من لغة الوعود العامة إلى تقديم تصورات قابلة للنقاش والتنفيذ والتقييم.
– انتخابات 2026.. محطة مختلفة عن استحقاقات 2021
انتخابات شتنبر 2026 هي رابع انتخابات تشريعية تجرى بعد دستور 2011، بعد محطات 2011 و2016 و2021، وبالتالي فهي تدخل ضمن مسار سياسي ومؤسساتي راكم المغرب خلاله تجربة انتخابية متواصلة.
لكن أهمية محطة 2026 لا تكمن فقط في ترتيبها الزمني، بل في كونها تأتي بعد ولاية تشريعية كاملة امتدت لخمس سنوات، وبعد تجربة حكومية وسياسية أصبح من الممكن تقييم جزء مهم من حصيلتها، سواء على مستوى السياسات العمومية أو على مستوى تدبير عدد من الملفات الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن المواطن يدخل هذه المحطة وهو أكثر قدرة على المقارنة بين ما قيل في الانتخابات السابقة وما تحقق بعدها، وهذه، في تقديري، واحدة من أهم خصائص انتخابات 2026.
فالمواطن الذي استمع إلى البرامج والوعود في 2021، وعاش خلال السنوات الخمس الماضية آثار القرارات الحكومية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية، لن ينظر بالضرورة إلى الخطاب الانتخابي بالطريقة نفسها التي كان ينظر بها إليه قبل خمس سنوات، لقد أصبح السؤال أكثر مباشرة:
ماذا تحقق؟ ماذا لم يتحقق؟ لماذا؟ وماذا سيقترح المرشحون للولاية المقبلة؟ .. وهذه الأسئلة، أكثر من غيرها، ستمنح للاستحقاق الانتخابي مضمونه الحقيقي.
– من تدبير الأزمات إلى اختبار الحصيلة
لا يمكن قراءة انتخابات 2026 بمعزل عن السنوات الخمس التي سبقتها، فالفترة الممتدة منذ انتخابات 2021 عرفت أحداثا وتحولات كبرى، بدءا من استمرار آثار الجائحة وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، مرورا بارتفاع أسعار عدد من المواد والخدمات على المستوى الدولي، ووصولا إلى استمرار النقاش حول التشغيل، والدعم الاجتماعي، وإصلاح أنظمة الحماية الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة، وتطوير الاستثمار، وتعزيز البنية التحتية.
كما شهدت البلاد أوراشا هيكلية كبرى، وأصبح عدد من الملفات التي كانت موضوع نقاش سياسي لسنوات جزءا من سياسات عمومية وبرامج ومشاريع ملموسة. لكن كل إنجاز يفتح في المقابل سؤالا جديدا: هل وصل أثره إلى المواطن بالسرعة والفعالية المطلوبتين؟. وهنا تحديدا يبدأ النقاش الانتخابي الحقيقي.
فالحملة الانتخابية ليست مناسبة فقط لعرض ما تحقق، كما أنها ليست مناسبة فقط لتعداد ما لم يتحقق، إنها، قبل كل شيء، فرصة لتقديم قراءة للحصيلة، وتفسير أسباب النجاح أو التعثر، ثم تقديم مقترحات واضحة للمرحلة المقبلة.
– القدرة الشرائية.. السؤال الذي لا يغيب
من أبرز الملفات التي ستفرض نفسها على النقاش الانتخابي قضية القدرة الشرائية، فالمواطن لا يقيس السياسة الاقتصادية بالأرقام والمؤشرات وحدها، وإنما يقيسها أيضا بما يعيشه يوميا داخل الأسرة والسوق ومكان العمل.
أسعار المواد الأساسية، تكاليف السكن، النقل، التعليم، الصحة، والطاقة، كلها عناصر تدخل بشكل مباشر في تحديد تصور المواطن للوضع الاقتصادي والاجتماعي.
ولهذا سيكون على الأحزاب والمرشحين أن يقدموا إجابات أكثر تحديدا من الشعارات العامة.
فحين يتحدث المرشح عن تحسين القدرة الشرائية، يصبح السؤال الطبيعي: كيف؟ وبأي أدوات؟ وما الكلفة؟ ومن المستفيد؟ وما الأفق الزمني؟. وهنا يمكن للحملة الانتخابية أن تنتقل من لغة الشعارات إلى لغة البرامج.
– التشغيل.. الملف الذي يختبر مصداقية البرامج
إذا كانت القدرة الشرائية مرتبطة بما ينفقه المواطن، فإن التشغيل يرتبط بما يستطيع أن يكسبه وبمستقبله الاقتصادي والاجتماعي.
فالشباب، على وجه الخصوص، ينتظرون من الأحزاب والمرشحين أكثر من مجرد الحديث عن خلق فرص الشغل. والمطلوب هو تقديم تصورات واضحة حول الاستثمار، والمقاولات الصغرى، والتكوين، وربط التعليم بسوق الشغل، ودعم المبادرة الخاصة، وتشجيع القطاعات القادرة على خلق وظائف مستدامة.
وهنا أيضاً ينبغي أن تتغير طبيعة الخطاب الانتخابي؛ فعبارة “خلق فرص الشغل” لم تعد كافية، إذ أن المواطن يريد أن يعرف: أين ستخلق هذه الفرص؟ وفي أي قطاعات؟ ومن سيمولها؟ وكيف سيتم ضمان استدامتها؟.
– الصحة والتعليم.. من الشعارات إلى سؤال جودة الخدمة العمومية
سيظل قطاعا الصحة والتعليم في قلب النقاش الانتخابي؛ فالإصلاحات التي عرفها القطاعان خلال السنوات الأخيرة جعلت النقاش أكثر تعقيدا، لأن المواطن لم يعد يبحث فقط عن إعلان الإصلاح، وإنما عن أثره المباشر على الخدمة التي يتلقاها.
في الصحة، يتعلق الأمر بتوفير الأطر والتجهيزات، وتقليص الفوارق المجالية، وتحسين ظروف الولوج إلى العلاج.
وفي التعليم، يتعلق الأمر بجودة المدرسة العمومية، ومحاربة الهدر المدرسي، وتحسين ظروف التعلم، وتطوير التكوين، وربط المسارات التعليمية بحاجات الاقتصاد والمجتمع.
ومن الطبيعي أن تصبح هذه الملفات جزءاً من اختبارات المرشحين في مختلف الدوائر، خصوصا أن الحاجيات تختلف من منطقة إلى أخرى.
– الماء والأمن الغذائي.. ملفات جديدة في قلب السياسة
لم يعد ملف الماء قضية بيئية فقط، لقد أصبح أحد الملفات الاستراتيجية التي ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للمغرب.
الجفاف وتوالي سنوات الإجهاد المائي، إلى جانب الحاجة إلى تأمين مياه الشرب ومياه السقي، جعلت قضية الماء حاضرة في صلب النقاش العمومي.
والأمر نفسه ينطبق على الأمن الغذائي، في ظل التحولات التي يعرفها الإنتاج الفلاحي والأسواق الدولية.
ولهذا ستكون البرامج الانتخابية مطالبة بتقديم أجوبة عن قضايا مثل: تدبير الموارد المائية، تحلية مياه البحر، اقتصاد الماء، دعم الفلاحين، تطوير سلاسل الإنتاج، وتثمين المنتجات الوطنية.
وهذه الملفات ستمنح الانتخابات المقبلة بعدا يتجاوز النقاش السياسي المباشر إلى النقاش حول النموذج التنموي للمغرب في السنوات المقبلة.
– العدالة المجالية.. المواطن لا يعيش في الأرقام
من أهم الأسئلة التي ينبغي أن تحضر في انتخابات 2026 سؤال الفوارق المجالية، فالمواطن في مدينة كبرى لا يواجه بالضرورة المشاكل نفسها التي يواجهها المواطن في قرية أو مركز حضري صغير أو منطقة جبلية.
هناك مناطق تحتاج إلى طرق وماء ومرافق صحية، وأخرى تحتاج إلى استثمارات وفرص شغل، فيما تواجه مناطق أخرى تحديات مرتبطة بالنقل والتعليم والسكن والخدمات الرقمية.
ومن هنا، فإن البرنامج الانتخابي الجيد هو الذي يستطيع أن يترجم الأهداف الوطنية الكبرى إلى أجوبة محلية قابلة للفهم. فالانتخابات البرلمانية، رغم طابعها الوطني، تظل مرتبطة في وجدان الناخب بما يحدث في محيطه المباشر.
– القانون الانتخابي.. قواعد جديدة لمنافسة جديدة
تأتي انتخابات 2026 أيضا في إطار قانوني انتخابي عرف تعديلات مهمة؛ وقد تم تأطير العملية الانتخابية الحالية بمجموعة من المقتضيات القانونية والتنظيمية، كما جرى تحديد قواعد دقيقة للحملة الانتخابية بما يهدف إلى ضمان نزاهة التنافس وتكافؤ الفرص وحماية حرية الناخبين.
وتنص المعطيات الرسمية المتعلقة بالانتخابات الحالية على أن الحملة الانتخابية انطلقت في 10 شتنبر 2026 وتستمر إلى منتصف ليلة 22 شتنبر، أي إلى اليوم السابق للاقتراع.
كما أن وزارة الداخلية أعلنت تفعيل آليات مركزية وجهوية وإقليمية لتتبع الانتخابات، في إطار الحرص على حسن سير العملية الانتخابية.
هذه المعطيات مهمة لأنها تؤكد أن المنافسة الانتخابية لا تقوم فقط على البرامج والخطابات، وإنما تجري داخل إطار قانوني يحدد قواعد المنافسة ووسائل الحملة وحدودها.
– 395 مقعدا و27 حزبا.. منافسة واسعة
ينتخب المغاربة في 23 شتنبر المقبل أعضاء مجلس النواب البالغ عدد مقاعده 395 مقعدا، وفق نمط الاقتراع العام المباشر باللائحة.
وتشير المعطيات الرسمية إلى مشاركة 27 حزبا سياسيا في هذه الانتخابات، فيما بلغ عدد لوائح الترشيح المقدمة على الصعيد الوطني 1850 لائحة.
هذه الأرقام وحدها تكشف حجم المنافسة، لكن كثرة اللوائح والأحزاب لا تعني بالضرورة وضوح الاختيارات أمام المواطن. وهنا يأتي دور الأحزاب نفسها في تبسيط برامجها، وتقديم مرشحيها، وشرح مقترحاتها، وتجنب إغراق الناخب في خطابات عامة أو وعود يصعب قياسها؛ فكلما اتسعت المنافسة، ازدادت الحاجة إلى وضوح الاختيار.
– الحملة الانتخابية.. من استعراض القوة إلى إقناع الناخب
الملاحظ في الوقت هو أن الحملات الانتخابية تغيرت كثيرا، ولم تعد التجمعات الجماهيرية وحدها قادرة على صناعة صورة المرشح، كما لم تعد كثافة الملصقات واللافتات معيارا كافيا لقياس قوة الحملة.
اليوم، يعيش الناخب في فضاء إعلامي مفتوح، ويتلقى المعلومات من مصادر متعددة، ويقارن بين التصريحات، ويتابع النقاشات، ويعود إلى الحصيلة السابقة.
ولهذا فإن المرشح الذي يريد إقناع الناخب يحتاج إلى أكثر من الحضور الميداني، يحتاج إلى خطاب واضح، برنامج مفهوم، معطيات دقيقة، قدرة على التواصل، واستعداد لتحمل مسؤولية ما يقوله.
كما أن الأحزاب مطالبة بأن تنظر إلى الحملة الانتخابية باعتبارها نقاشاً عمومياً حول مستقبل البلاد، وليس مجرد سباق للوصول إلى البرلمان.
– وماذا عن المشاركة السياسية؟
يبقى سؤال المشاركة واحدا من أكبر تحديات كل استحقاق انتخابي، فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب والمرشحين، وإنما أيضا بمدى انخراط المواطنين في العملية السياسية.
وقد بذلت السلطات خلال الأشهر الماضية جهودا لتحديث اللوائح الانتخابية وضمان جاهزية العملية الانتخابية، مع الإشراف الفعلي -عبر وسائل التواصل- على تمكين الناخبين من معرفة مكاتب التصويت الخاصة بهم.
لكن الجانب المؤسساتي لا يكفي وحده، فالثقة لا تبنى بقرار إداري، الثقة تبنى عندما يشعر المواطن بأن صوته له معنى، وأن اختياره يمكن أن يسهم في تغيير السياسات العمومية، وأن المنتخب الذي يصل إلى البرلمان سيكون مسؤولاً أمامه عن أدائه.
ومن هنا، فإن مهمة الأحزاب والمرشحين لا تتوقف عند إقناع المواطن بالتصويت، بل تبدأ من إقناعه بأن المشاركة السياسية نفسها تستحق أن تُمنح فرصة جديدة.
– المواطن في قلب الاختبار
في النهاية، فإن انتخابات 23 شتنبر 2026 ستضع الجميع أمام اختبار واضح، فالأحزاب ستختبر في برامجها وقدرتها على تقديم بدائل.
والمرشحون سيختبرون في مصداقيتهم وكفاءتهم وقدرتهم على التواصل، والمؤسسات ستختبر في قدرتها على ضمان انتخابات نزيهة وشفافة وتنافسية.
أما المواطن، فسيكون صاحب الكلمة الأخيرة؛ لكنه (المواطن) الذي يدخل هذه الانتخابات بعد خمس سنوات من التجربة، لن يكون بالضرورة هو المواطن نفسه الذي دخل انتخابات 2021.
لقد أصبح أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر اهتماماً بالنتائج الملموسة، ولهذا فإن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 لا ينبغي أن يكون فقط: من سيفوز؟ بل أيضا: بأي برنامج سيفوز؟ وبأي خطاب؟ وبأي مستوى من الثقة؟.
على سبيل الختم
مع انطلاق الحملة الانتخابية في 10 شتنبر، ودخول البلاد مرحلة العد العكسي نحو اقتراع 23 شتنبر، يصبح المغرب أمام موعد جديد مع الديمقراطية التمثيلية.
وإذا كانت صناديق الاقتراع ستحدد تركيبة مجلس النواب المقبل، فإن المرحلة التي تسبق يوم التصويت ستحدد، إلى حد كبير، طبيعة النقاش الذي سيقود الناخب إلى اختياره.
المطلوب اليوم ليس حملة تقوم فقط على كثافة الحضور والصور والشعارات، وإنما منافسة سياسية تقوم على البرامج، والوضوح، والحصيلة، والحلول القابلة للنقاش والمساءلة.
فالمواطن لا يحتاج إلى وعود أكثر، بقدر ما يحتاج إلى أجوبة أكثر دقة، ولا يحتاج إلى خطابات أطول، بقدر ما يحتاج إلى خطابات أكثر صدقا ووضوحا.
ولا يحتاج فقط إلى أسماء جديدة، وإنما إلى كفاءات قادرة على تحويل الثقة الانتخابية إلى عمل مؤسساتي.
وفي نهاية المطاف، ستبقى قيمة هذه الانتخابات مرتبطة بما هو أبعد من يوم الاقتراع: بقدرتها على تجديد الثقة في المؤسسات، وإعادة الاعتبار للفعل السياسي، وتحويل المنافسة الانتخابية من مناسبة لتقديم الوعود إلى فرصة حقيقية لاختيار من يملك تصورا واضحا لمغرب السنوات المقبلة.
بقلم: مراد بنعلي
صحفي في البوابة الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة