في سياق دولي يتسم بتسارع الطلب على المعادن الاستراتيجية، برز المغرب كفاعل طموح يسعى إلى تثبيت موقعه ضمن سلاسل القيمة العالمية، من خلال رؤية ترتكز على الشفافية والتعاون والانفتاح الاقتصادي، هذا التوجه شكل محور تدخل وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، خلال مشاركتها في منتدى المعادن الحيوية المنعقد بمدينة إسطنبول.
وخلال هذا اللقاء الدولي المنظم تحت إشراف منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، شددت المسؤولة الحكومية على أن مستقبل المعادن الحيوية لا يمكن بناؤه إلا عبر شراكات متوازنة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل، مؤكدة أن المغرب يتبنى مقاربة منفتحة تجمع بين عمقه الإفريقي وامتداده الأوروبي.
وفي هذا الإطار، كشفت بنعلي عن إطلاق أضخم طلب عروض في تاريخ القطاع المعدني بالمملكة سنة 2026، يغطي مساحة تناهز 13 ألف كيلومتر مربع بمنطقة تافيلالت وفجيج، موزعة على مئات المواقع التعدينية.
وتعكس هذه الخطوة توجها جديدا يزاوج بين جذب الاستثمار وتعزيز الحكامة، حيث تم تخصيص نسبة غير مسبوقة من معايير التقييم لمتطلبات البيئة والمسؤولية الاجتماعية، إلى جانب فرض الاعتماد على الطاقات المتجددة كشرط أساسي للمستثمرين.
ولم تقف الإصلاحات عند هذا الحد، إذ أعلن المغرب عن إطلاق سجل معدني رقمي موحد، يهدف إلى تحديث تدبير القطاع عبر دمج المعطيات الجيولوجية وتبسيط المساطر القانونية، بما يضمن شفافية أكبر ويعزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين.
وعلى مستوى الأرقام، تبرز منطقة تافيلالت وفجيج كمحور استراتيجي، إذ تسجل إنتاجا سنويا مهما من معدن الباريت، رغم أن نسبة الاستغلال لا تزال محدودة، ما يفتح آفاقا واسعة للتطوير والاستثمار.
وفي قراءتها للتحولات العالمية، حذرت الوزيرة من هشاشة أسواق المعادن الحيوية، مشيرة إلى التقلبات الحادة التي شهدتها أسعار مواد أساسية مثل الليثيوم والكوبالت، وهو ما ينعكس سلبا على استقرار الاستثمارات، داعية في المقابل إلى اعتماد آليات جديدة، من قبيل العقود طويلة الأمد والاحتياطات الاستراتيجية، لضمان توازن السوق وحماية المنتجين والمستهلكين.
أما على الصعيد الإفريقي، فقد أكدت بنعلي أن القارة لم تعد تقبل بدور المزود الخام فقط، بل تطمح إلى التموقع كشريك في التصنيع والابتكار ضمن الاقتصاد الأخضر العالمي، مستفيدة من ثرواتها المعدنية الهائلة التي تشكل جزءا مهما من الموارد العالمية.
سارة الرمشي