المناصفة ودروس الراهن السياسي

بقلم: الدكتورة نجلاء الوركلي

لم تعد المناصفة، في ضوء التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي، مجرد مبدأ دستوري ينتظر التفعيل، ولا مجرد مطلب مرتبط بتمثيلية النساء في المؤسسات المنتخبة، وإنما أصبحت خيارا مجتمعيا وحضاريا يتصل بسؤال أكبر: أي مجتمع نريد أن نبني؟ وأي موقع نريد للمرأة داخل المشروع المجتمعي ونهضة الأمة؟
فالمناصفة، طبقا لأحكام الفصل 19 من دستور المملكة، باعتبارها مبدأ تسعى الدولة إلى تحقيقه بين الرجال والنساء، هي في جوهرها أحد الاختيارات المعززة لحداثة الدولة والمجتمع، وبناء مقومات نهضة الأمة.

إنها لا ترتبط بنتائج استحقاقات انتخابية، وإنما هي أفق استراتيجي ممتد، ومسار من التراكم والتحول في الثقافة والوعي الجمعي، مدخله دستوري وسياسي، ومخرجاته تتجاوز المجال السياسي إلى الأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والتنموية.

ومن هذا المنظور، فإن قراءة مستجدات الراهن السياسي المغربي تقتضي التوقف عند حدث تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، باعتباره محطة غير مسبوقة في تاريخ الممارسة السياسية المغربية، وحدثاً يفتح نقاشا أوسع حول موقع المرأة في الدولة، وحول معنى المناصفة وحدودها وآفاقها.

ولا تكمن أهمية هذا الحدث فقط في كون امرأة مناضلة في صفوف حزب سياسي وصلت إلى مؤسسة رئاسة الحكومة، وإنما في الدلالات التي يحملها هذا الوصول، والأسئلة التي يطرحها حول مستقبل المشاركة السياسية للنساء، وحول قدرة المجتمع المغربي على الانتقال من الاعتراف بمبدأ المساواة إلى جعلها ممارسة مؤسساتية ومجتمعية راسخة تصب في مجرى السعي نحو تحقيق المناصفة.

لقد تم تعيين رئيسة الحكومة في إطار أحكام الفصل 47 من دستور المملكة، الذي ينص على تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

وقد جرت الممارسة السياسية المغربية، في العهد الجديد، وفي عدد من التجارب السابقة، على أن يتولى هذا المنصب المسؤول الأول على هرم الحزب السياسي المتصدر، ما لم يحل دون ذلك اعتبار من الاعتبارات.

وكون السيدة فاطمة الزهراء المنصوري حظيت بشرف التعيين من طرف جلالة الملك حفظه الله ونصره، باعتبارها منسقة القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر، كرئيسة للحكومة المقبلة فهذا يترجم هذه المنهجية الديمقراطية أولا، ويقوم على شرط الاستحقاق والقدرة والكفاءة ثانيا.

ومن هذه الزاوية، فإن التعيين في هذا الموقع، والتكليف بتشكيل الحكومة، يطرح نفسه بوصفه حدثا يتجاوز الشخص إلى الدلالة الرمزية والمؤسساتية الأوسع: المرأة المغربية في أعلى موقع من مواقع المسؤولية التنفيذية في الدولة.

لكن قيمة الحدث لا ينبغي أن تتوقف عند رمزيته؛ فالتاريخ السياسي لا تصنعه الرموز وحدها، وإنما تصنعه أيضا التحولات التي تفتحها الرموز أمام المجتمع؛ ومن هنا يمكن الوقوف، في الوضع السياسي الراهن، عند أربعة دروس أساسية:

الدرس الأول: المرأة في قلب نهضة الأمة

إذا كانت النهضة مشروعا شاملا لإعادة بناء الإنسان والمجتمع، فإن المرأة لا يمكن أن تكون على هامش هذا المشروع، فلا نهضة حقيقية لأمة تستثمر في نصف طاقتها البشرية وتترك نصفها الآخر خارج دوائر صناعة القرار.

لقد قطعت المرأة المغربية مسافات مهمة في مسار التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية، وأصبحت حاضرة في مختلف المجالات المهنية، والعلمية، والإنتاجية، والمؤسساتية. غير أن الانتقال من الحضور إلى التأثير وصناعة القرار يظل هو الرهان الأكبر.

ومن هنا، فإن وجود امرأة على رأس الحكومة يكتسب دلالته باعتباره انتقالا من مرحلة كانت فيها المرأة موضوعا للسياسات العمومية إلى مرحلة بدأت تصبح فيها المرأة، بصورة أوضح، شريكا فاعلا في صياغة هذه السياسات وتوجيهها وتنفيذها.

إن المرأة المغربية ليست فقط مستفيدة من التنمية، وإنما هي منتجة لها؛ وليست فقط معنية بالسياسات العمومية، وإنما هي قادرة على الإسهام في تحديد أولوياتها. ولذلك فإن تمكينها من مواقع المسؤولية ليس امتيازا يمنح لها، وإنما هو تجسيد للإرادة الملكية، وحصيلة تحول مجتمعي جاء نتيجة تراكم ممتد في الزمان من نضالات القوى الحية في المجتمع، كما هو استثمار في الرأسمال البشري الوطني من أجل المستقبل.

إن وضع المرأة في قلب نهضة الأمة يعني أن يصبح حضورها في مراكز القرار جزءا من البناء الطبيعي للدولة الحديثة، وأن تنتقل المناصفة، باعتبارها مبدأ، من سؤال الأعداد والنسب، إلى سؤال الكفاءة والمسؤولية والقدرة على صناعة المستقبل والمشاركة فيه.

فالنهضة التي لا تستوعب طاقات النساء تبقى نهضة ناقصة، والتنمية التي لا تفتح للمرأة أبواب المشاركة الكاملة تظل عاجزة عن استثمار كامل إمكاناتها البشرية.

الدرس الثاني: المرأة في قلب التحول السياسي

يرتبط هذا الدرس بطبيعة التحول الذي ينبغي أن تعرفه الثقافة السياسية نفسها. فالوصول إلى أعلى منصب في السلطة التنفيذية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره نهاية لمسار، وإنما باعتباره بداية لمرحلة جديدة يصبح فيها حضور المرأة في القيادة السياسية أكثر اعتيادا وأقل استثناء.

وهنا تكمن أهمية المناصفة، بحيث تتحول المرأة من حضور مرتبط بظروف أو ترتيبات انتخابية محددة، إلى فاعل سياسي كامل، حاضر في القيادة الحزبية، وفي المؤسسات المنتخبة، وفي الحكومة، وفي مختلف مواقع صناعة القرار.

إن الرهان الحقيقي ليس فقط أن تصل امرأة إلى القمة، وإنما أن تصبح الطريق إلى القمة مفتوحة أمام النساء على أساس الاستحقاق والكفاءة والمسؤولية. وهذا يضع الأحزاب السياسية أمام مسؤولية أساسية في تجديد نخبها وقياداتها، وفي اكتشاف الكفاءات النسائية وتأهيلها، وفي منحها فرصا حقيقية للقيادة والمبادرة، بدل أن يظل حضورها محصورا في التمثيلية العددية.

كما أن التحول السياسي لا يكتمل بتغيير صورة القيادة فقط، وإنما يحتاج إلى تغيير أعمق في الثقافة السياسية والاجتماعية؛ ثقافة تنظر إلى المرأة باعتبارها مواطنة كاملة الحقوق، وقادرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار، لا باعتبارها استثناء يحتاج دائما إلى تبرير وجوده في مواقع القيادة، وإنما باعتبارها خبرة وكفاءة وقدرة على التفكير والتخطيط والأداء والإنجاز وتحمل المسؤولية.

ولعل السؤال الأهم الذي يطرحه هذا التحول هو: متى يصبح وصول المرأة إلى موقع المسؤولية خبرا عاديا لا حدثا استثنائيا؟ فعندما نصل إلى هذه المرحلة، نكون قد قطعنا شوطا حقيقيا في مسار المناصفة.

الدرس الثالث: المرأة في قلب مشروع التنمية الترابية المندمجة

هذا الدرس يجد موضوعه في العلاقة الوثيقة بين المناصفة والتنمية، فلا يمكن اختزال تمكين المرأة في الوصول إلى المناصب السياسية، لأن المشاركة السياسية لا تنفصل عن شروط التمكين الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

إن وضع المرأة في قلب مشروع التنمية الترابية المندمجة يعني أن تكون المرأة حاضرة في مختلف السياسات العمومية، وأن تؤخذ احتياجاتها وتطلعاتها بعين الاعتبار عند صياغة السياسات المتعلقة بالتعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية والتنمية المجالية.

وهو يعني أيضا ألا تكون التنمية موجهة فقط إلى المرأة التي تعيش في المراكز الحضرية، وإنما إلى المرأة في العالم القروي والمناطق الجبلية والمجالات الهشة؛ إلى المرأة العاملة والموظفة، والمرأة المقاولة، والمرأة الفلاحة، والمرأة الحرفية، والمرأة الأستاذة والباحثة؛ وإلى الشابة التي تبحث عن فرصتها في التعليم، والعمل، والاستقلال المالي والاقتصادي.

فالتنمية المندمجة لا تعني فقط بناء الطرق والمرافق والبنيات التحتية، وإنما تعني أيضا بناء الإنسان وتوسيع فرصه في المشاركة والإنتاج والابتكار.

وفي هذا السياق، فإن تمكين المرأة اقتصاديا ليس ملفا اجتماعيا منفصلا، وإنما هو جزء من صميم التنمية وبناء القوة الوطنية. وكلما ارتفعت قدرة النساء على التعليم والعمل والإنتاج والمبادرة والاستقلال الاقتصادي، ارتفعت معها قدرة المجتمع على تحقيق التنمية المستدامة.

إن المرأة ليست مجرد مستفيدة من التنمية؛ وإنما هي شريك في إنتاجها، وفاعل في توجيهها، وصاحبة مصلحة مباشرة في نجاحها. فماذا يقتضي هذا الأمر؟ إنه يقتضي أن تكون الأحزاب السياسية في مستوى التحديات، وفي قلب المرحلة وهي تسهم في تفعيل ورش التنمية الترابية المندمجة عن طريق الرفع من تمثيلية النساء في الاستحقاقات الجماعية المقبلة، وهذا يتطلب، ضرورة، تعزيز الحراك التنظيمي، وتشجيع النساء على تحمل المسؤوليات التنظيمية المحلية والإقليمية والجهوية، وتأهيل النساء للقيادات الحزبية في مختلف هذه المستويات التنظيمية.

الدرس الرابع: من المناصفة كمبدأ إلى المناصفة كثقافة

إن الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من الراهن السياسي هو أن المناصفة لا ينبغي أن تبقى حبيسة النصوص، مهما كانت أهمية هذه النصوص، وإنما ينبغي أن تتحول إلى ثقافة سياسية ومجتمعية.

فالفصل 19 من دستور المملكة لا يقدم مجرد إعلان للمساواة، وإنما يفتح أفقا دستوريا أمام بناء مجتمع تتكامل فيه أدوار الرجال والنساء على أساس المواطنة، والحقوق، والحريات، والمسؤولية.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي اليوم هو الانتقال من مناصفة التمثيل إلى مناصفة التأثير، ومن حضور المرأة في المؤسسات إلى حضورها في صناعة القرار، ومن الاعتراف بكفاءتها إلى منحها الثقة والمسؤولية على أساس هذه الكفاءة.

إن تعيين امرأة على رأس الحكومة يمثل، بهذا المعنى، محطة مهمة في مسار طويل، لكنه لا ينبغي أن يكون نهاية السؤال حول المناصفة؛ وإنما بداية لأسئلة أكبر وأكثر عمقا: كيف نجعل المشاركة السياسية للمرأة ممارسة طبيعية ومستدامة؟ وكيف نضمن وصول الكفاءات النسائية إلى مختلف مستويات القرار؟ وكيف نجعل التمكين السياسي مدخلا إلى تمكين اقتصادي واجتماعي حقيقي؟ وكيف نحول المناصفة من مطلب يتعلق بالمرأة وحدها إلى مشروع مجتمعي يهم مستقبل الدولة والمجتمع بأكمله؟.

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي ستحدد القيمة الحقيقية لهذه المرحلة، على أساس أن المناصفة ليست انتصارا للمرأة على الرجل، وليست امتيازا تمنحه الدولة لفئة من المجتمع؛ وإنما هي، في جوهرها، انتصار لفكرة المواطنة الكاملة، واستثمار في الإنسان، وتوسيع لقاعدة المشاركة في بناء الوطن.

هكذا، إذا يصبح الدرس الأهم الذي يقدمه الراهن السياسي المغربي هو أن المرأة لم تعد مطالبة فقط بأن تكون حاضرة في المؤسسات التمثيلية، وإنما أصبح الرهان هو أن تصبح المرأة حاضرة بقوة في التنظيمات السياسية والمدنية والثقافية، فاعلة في التحول المجتمعي القائم، شريكة في صناعة القرار المرتبط بالسياسيات العمومية، ومن ثم شريكة في بناء وصناعة المستقبل. حينها تصير المرأة في قلب نهضة الأمة، وفي قلب التحول السياسي، وفي قلب مشروع التنمية المندمجة؛ وحينها أيضا تصبح هذه الحقيقة ثقافة وممارسة ومؤسسات، وتكون المناصفة قد انتقلت فعلا من نص دستوري تسعى الدولة إلى تفعيله، إلى مشروع حضاري لبناء مغرب المستقبل.

*عضو المكتب التنفيذي لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة

Scroll to Top

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط
benaddi_hassan_b027e48659
غشت 2008
تأسيس الحزب وانتخاب السيد حسن بنعدي أمينا عاما
biadiallahconfe_304286227
20-22 فبراير 2009
انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "السياسة بأخلاق أخرى"، وانتخاب السيد الشيخ بيد الله أمينا عاما
bakkouripam_438777855
17-19 فبراير 2012
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني، تحت شعار: "معاً . . لربح الرهانات"، وانتخاب السيد مصطفى بكوري أمينا عاما للحزب
https___cloudfront-eu-central-1.images.arcpublishing
22-24 يناير 2016:
انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، تحت شعار: "مغرب الجهات: انخراط واع ومسؤول"، وانتخاب السيد إلياس العمري أمينا عاما للحزب
benchamass
2018
انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب، وانتخاب السيد حكيم بنشماش أمينا عاما
ouhbi
7-9 فبراير 2020
انعقاد المؤتمر الوطني الرابع، تحت شعار: "المغرب للجميع"، وانتخاب السيد عبد اللطيف وهبي امينا عاما للحزب
Screenshot from 2026-02-15 17-33-10
19-20 ماي 2023
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة"، وانتخاب السيدة قلوب فيطح رئيسة للمنظمة
9yada jama3ya
9-11 فبراير 2024
انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، تحت شعار: "تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية"، واختيار صيغة القيادة الجماعية لأول مرة في المغرب
liberalinternational
دجنبر 2024
الانضمام إلى منظمة الليبرالية العالمية
salahabkari
26-27 شتنبر 2025
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "شبابٌ يقُودُ، أملٌ يعُودُ"، وانتخاب السيد صلاح الدين عبقري رئيسا للمنظمة