تظل مسألة “الترحال السياسي” أو تغيير اللون الحزبي للمنتخبين واحدة من أعقد المعضلات التي تواجه الديمقراطيات المعاصرة؛ فهي ليست مجرد انتقال من ضفة سياسية إلى أخرى، بل هي صراع فلسفي حول طبيعة “التمثيلية”: لمن يعود المقعد؟ هل هو ملك للحزب الذي وفر المنصة والبرنامج، أم هو حق شخصي للمنتخب الذي نال ثقة الأصوات؟.
بين التجربة المغربية التي تتبنى “الجراحة القانونية” المستأصلة للعضوية، والتجربة الإسبانية التي تُقدس “حرية النائب” دستورياً وتُعاقبه “بالموت السياسي” ميثاقياً، يبرز صراع فلسفي عميق حول حدود الالتزام الأخلاقي واستقرار المؤسسات.
1- النموذج المغربي: صرامة الفصل 61 وقضية “طارق القباج”
في المغرب، حسم الدستور (الفصل 61) والقوانين التنظيمية للأحزاب والجماعات الترابية الأمر بصرامة واضحة؛ فالمقعد النيابي مرتبط عضوياً بالانتماء السياسي الأصلي. الفلسفة هنا تقوم على “التعاقد المعنوي” بين الناخب والحزب، وليس بين الناخب والشخص بصفته المجردة.
وتعد قضية طارق القباج (عمدة أكادير السابق) نموذجاً مرجعياً في هذا السياق. فبعد مسار طويل داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، قرر القباج الترشح في انتخابات 2015 بصفة “لا منتمي” (مستقل) نتيجة خلافات حزبية. هذا التحول من “عباءة الحزب” إلى “صفة المستقل” اعتبره القضاء الدستوري والإداري تخلياً إرادياً عن الانتماء السياسي الذي نال بموجبه ثقة الناخبين في الولاية السابقة.
إن تجريد القباج من مقعده البرلماني حينها لم يكن مجرد إجراء إداري، بل كان تكريساً لمبدأ أن “المقعد ليس ملكية خاصة”؛ فالدولة المغربية ترى أن استقرار الخريطة السياسية يقتضي أن يظل المنتخب وفياً للون الذي أقنع به المواطنين، وإلا فإن مصيره هو “الشغور” والإقصاء القانوني الفوري.
2- النموذج الإسباني: تعريف “المترحل” وضريبة العزلة
على الضفة الأخرى، تتبنى إسبانيا مبدأ “منع الوكالة الإلزامية” (الفصل 67.2 من الدستور)، حيث يعتبر النائب ممثلاً للأمة لا لسكرتارية حزبه. لكن هذا الانفتاح خلق ظاهرة “الترانسفوخيسمو” (Transfuguismo) التي تهدد استقرار المجالس المحلية والوطنية.
ولمواجهة هذا العجز القانوني عن “تجريد” الخائن لحزبه، اعتمدت الأحزاب الإسبانية “ميثاق الاستقرار المؤسسي ومكافحة الترحال السياسي” (آخر تحديث نوفمبر 2020)، والذي وضع تعريفاً دقيقاً لـ “المترحل” (Tránsfuga): “هو الشخص المنتخب الذي يخون التنظيم السياسي الذي ترشح باسمه، سواء بتركه، أو الخروج عن انضباطه، أو فصله منه، حتى لو انضم إلى حزب آخر داخل نفس الائتلاف”.
وبما أن الدستور الإسباني يمنع سلب المقعد من “المترحل”، فقد ابتكرت الأحزاب جزاءً يُعرف بـ “الموت السياسي”، حيث يظل الشخص محتفظاً بمقعده لكنه يتحول إلى “جثة مؤسساتية” عبر:
* العزل الإداري والمالي: يُحرم من المشاركة في رئاسة اللجان أو “مجلس الناطقين الرسميين” (Junta de Portavoces).
* تجميد المزايا: يُحظر عليه تحسين وضعه المالي أو الإداري، ويُمنع من تولي أي منصب تنفيذي (وزارة أو عمودية) إذا كان ذلك المنصب نتيجة مباشرة لانشقاقه وتغييره للأغلبيات.
3- تحليل مقارن: حماية “المبدأ” أم حماية “الفرد”؟
يكشف التحليل المقارن بين التجربتين عن تباين جذري في معالجة إشكالية الترحال؛ فبينما يميل المغرب لحماية “المبدأ” واستقرار الأغلبيات عبر “الإعدام القانوني” للمقعد فور ثبوت التخلي عن الانتماء، تختار إسبانيا حماية “الفرد” وحريته الانتدابية كحق دستوري لا يُمس قضائياً.
هذا الاختلاف نابع من تكييف الفعل ذاته؛ ففي الحالة المغربية (كما في نموذج القباج) يُعتبر الفعل “سقوطاً للأهلية الانتدابية” يستوجب شغور المقعد استناداً لنصوص دستورية ملزمة. أما في الحالة الإسبانية، فيُكيف الفعل كـ “خيانة سياسية” (Tránsfuga) لا تُسقط المقعد قانوناً، بل تستوجب “الموت السياسي” والعزل المؤسسي بناءً على مواثيق أخلاقية وسياسية، وهو ما يجعل المقعد في المغرب “أمانة حزبية” وفي إسبانيا “حقاً فردياً” يُواجه بحصار الجماعة.
خلاصة الرأي
إن المقارنة بين “الجراحة المستأصلة” في المغرب و”الحصار الأخلاقي” في إسبانيا، تكشف عن رؤيتين مختلفتين للديمقراطية:
* المغرب اختار حماية “نظافة” التموقع السياسي واستقرار الأغلبيات، حتى لو كان ذلك على حساب طموح الأفراد وقناعاتهم المتغيرة.
* إسبانيا اختارت حماية “حرية النائب” كحق دستوري، لكنها “سَمّمت” ثمار الخيانة عبر الميثاق لكي لا يستفيد المترحل من فعله سياسياً أو مادياً.
في نهاية المطاف، يبقى الدرس المستفاد واحداً: السياسة هي “تعاقد أخلاقي” قبل أن تكون نصوصاً. فمن يقرر الخروج عن اللون الذي أوصله للمسؤولية، عليه أن يمتلك الشجاعة إما لقبول “الموت السياسي” أو إعادة الأمانة لأصحابها والعودة للناخبين بجلد جديد، لأن ثقة المواطن هي العملة التي لا تقبل التزوير بالترحال.
د. أيمن الغازي، عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة