حين تتحدث تامغرابيت على لسان المنصوري

بقلم: رشيد بوهدوز*

تابعت ما أثير حول خطاب فاطمة الزهراء المنصوري أثناء تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، واستغربت أن ينشغل بعض المتابعين بطريقة نطقها لبعض الكلمات العربية أكثر من انشغالهم بما عرضته من التزامات.

فقد تحولت لكنتها المراكشية إلى مادة للسخرية، وكأن رئيسة الحكومة كانت تجتاز امتحانا في اللغة العربية، بينما بقي البرنامج الذي ستتحمل مسؤولية تنفيذه خلال السنوات المقبلة في مرتبة ثانوية من النقاش.

ولم يتوقف الأمر عند تعليقات مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى المؤسسة البرلمانية، حيث استُحضرت مسألة إسقاط الهمزة ورفعها في سياق مناقشة البرنامج الحكومي.

أما أنا فقد أعجبتني تلك اللكنة. سمعت فيها صوتا مغربيا مألوفا يحمل إيقاع البيئة التي نشأت فيها المنصوري، ويذكرني بطريقة كلامنا نحن المغاربة حين ننتقل من ألسنتنا اليومية إلى العربية الفصحى. ولا أفهم لماذا ينتظر من مسؤول مغربي أن يتحدث بلكنة مستعارة حتى يبدو أكثر ثقافة أو أهلية لتحمل المسؤولية.

أعادني ذلك الجدل إلى سؤال قديم عن علاقتنا بألسنتنا، وعن الشعور بالنقص الذي يجعل بعض المغاربة ينظرون إلى لكنتهم الطبيعية باستخفاف، ويعتبرون الاقتراب من طريقة نطق مشرقية أو أجنبية دليلا على الرقي.

فالإنسان يكتسب لسانه الأول داخل الأسرة، قبل أن يدخل المدرسة ويتعرف على اللغات الأخرى. ومن خلال هذا اللسان تتشكل عاداته الصوتية والتعبيرية، ويتعلم كيف يسمي الأشياء ويصف ما يشعر به ويفكر فيه. وحين يتحدث لغة أخرى تبقى آثار من ذلك اللسان حاضرة في نطقه، وقد تمتد إلى طريقته في بناء العبارات.

– اللسان المغربي وجذوره التاريخية

الأمازيغية لغة هذه الأرض الأصيلة. بها عبر سكان المغرب عن حياتهم وتجاربهم وثقافتهم قروناً طويلة قبل وصول العربية، وظلت حاضرة في المجتمع رغم التحولات الدينية والسياسية التي عرفتها البلاد.

ومع انتشار الإسلام اكتسبت العربية مكانتها الدينية والعلمية باعتبارها لغة القرآن والحديث والفقه، واتسع استعمالها في التأليف والتدوين وتوثيق المعاملات والأحكام. لكن هذا الانتشار لم يكن يعني أن المغاربة صاروا يتحدثون العربية في حياتهم اليومية بالوتيرة نفسها.

فقد ظلت الأمازيغية لغة التواصل لدى قطاعات واسعة من السكان، واستعملت في تدبير شؤونهم المحلية، بما فيها التخاطب في مجالات الحكم والقضاء داخل الأوساط الناطقة بها.

وقد تكون العربية لغة الوثيقة التي يحررها الفقيه أو القاضي، بينما تجري الوقائع والمحادثات المرتبطة بها بالأمازيغية. ولهذا لا أرى في انتشار التدوين العربي دليلاً كافياً على اللغة التي كان الناس يتحدثونها في بيوتهم وبين أفراد مجتمعهم.

ومع مرور الزمن وتعميق ارتباط المغاربة بالإسلام، اتسع حضور المفردات العربية في ألسنتهم، خصوصا تلك المرتبطة بالدين والمعرفة. لكن الإنسان الأمازيغي الذي بدأ يستعمل هذه الكلمات كان يمتلك أصلاً نظاماً لغوياً راسخاً، له قواعده الصوتية والصرفية وطرائقه الخاصة في التعبير.

وهكذا اتسع المعجم العربي تدريجيا داخل بيئة لسانية أمازيغية، واحتفظ هذا التحول بآثار عميقة من البنية الأصلية في النطق وبناء الكلمات والتعبير.

ولهذا أنظر إلى الدارجة باعتبارها لسانا مغربيا تشكل في قالب أمازيغي استوعب مفردات عربية متزايدة عبر القرون.

وقد تناول محمد شفيق هذا التداخل العميق بين الأمازيغية والدارجة، وأبرز ما تركته البنية الأمازيغية من آثار في اللسان المغربي. فالمسألة لا تتعلق بأصول الكلمات وحدها، بل بالقواعد والعادات اللغوية التي تحكم نطقها وبناءها واستعمالها.

خذوا مثلاً كلمات “كْتاب” و”كْبير” و”صْغير”، نحن ننطقها في الدارجة بإيقاع تختزل فيه الحركات القصيرة وتتجاور الحروف الساكنة على نحو مختلف عن النطق المعياري للفصحى. ونجد في ذلك خصائص تلتقي مع أنماط صوتية معروفة في الأمازيغية، ضمن تاريخ طويل من الاتصال بين اللسانين.

ويظهر الأثر الأمازيغي في بناء بعض الكلمات، كما في “تانجارت” و”تاحدادت”، حيث تحضر صيغة “تا…ت” المعروفة في الأمازيغية. والأجمل أن كلمة “تامغرابيت” نفسها تحمل هذا البناء الصرفي، فكأن الاسم الذي اخترناه للتعبير عن شخصيتنا المغربية يحتفظ في داخله بجزء من تاريخنا اللغوي.

– حتى الكلمة تحمل تاريخها

والتأثير لا يقف عند الأصوات وبناء الكلمات. فكثير من التعابير التي نستعملها في حياتنا اليومية تتجاوز المعاني الحرفية للمفردات التي تتكون منها، وقد نعبر بكلمات عربية عن صور ومعان مألوفة في اللسان الأمازيغي.

خذوا هذه العبارة المغربية الطريفة: “جبت واحد جوج بيضات خوضر نقليهم ونضربهم مع راسي”. قد يسمعها مشرقي فيتوقف عند الكلمات نفسها. كيف يجتمع الواحد والاثنان في وصف الشيء نفسه، ولماذا توصف البيضات بالخضرة، وما معنى ضربها مع الرأس؟ إنها من العبارات التي تدعونا إلى النظر فيما وراء المفردات، وإلى مقارنة ما نستعمله في الدارجة بالتعبيرات الأمازيغية التي يمكن أن تكون وراء بعض تراكيبه وصوره.

فالمغربي حين ينتقل إلى العربية الفصحى يحمل معه تاريخا لغويا اكتسبه منذ طفولته، وقد ينعكس ذلك على نطق الحروف وإيقاع الجملة، تماما كما نسمع اللكنة الفرنسية حين يتحدث فرنسي بالعربية، أو نميز اللكنة المغربية عندما يتحدث أحدنا بالإنجليزية. إننا لا نخلع تاريخنا اللغوي كلما انتقلنا من لسان إلى آخر.

ما يحيرني هو أننا نتفهم اختلاف نطق الأجنبي حين يستعمل العربية، ثم نجد من يسخر من المغربي لأنه لم يتخلص من لكنته المحلية. وكأن إتقان العربية أصبح عند البعض مرادفا لمحاكاة طريقة نطق مشرقية معينة.
ولعل أكثر ما يكشف اضطراب علاقتنا باللغة أن كثيرا من المغاربة يستصغرون الألسنة التي نشؤوا عليها. فالدارجة والأمازيغية حاضرتان في البيت والشارع، وفي لحظات الغضب والفرح، وحتى في الأحاديث التي يجريها الإنسان مع نفسه.

ومع ذلك يشعر بعضهم بالحرج حين تحضر كلمة مغربية في المدرسة أو الإدارة أو التلفزيون، ويتعاملون معها كما لو أنها أقل قيمة من الكلمات التي تأتي من خارج بيئتنا.

أتذكر هنا الجدل الذي أثاره إدراج كلمات مثل “البغرير” و”المسمن” في بعض المقررات المدرسية سنة 2018، فقد تابعنا موجة من السخرية والاعتراض على استعمال أسماء يعرفها الطفل المغربي من حياته اليومية، وكأن وجودها في كتاب مدرسي انتقاص من اللغة العربية.

في الوقت نفسه نستعمل أسماء مأكولات مشرقية مثل “الكشري” و”البقلاوة” بكل أريحية، دون أن يخطر ببالنا البحث عن بدائل لها. فلماذا يصبح “البغرير” أو “المسمن” موضع استهجان؟ وهل ينبغي أن يأتي الاسم من المشرق حتى يصبح مقبولا في نص عربي؟ ثم إن هذه أسماء أشياء مغربية لها تاريخها وخصوصيتها، ومن الطبيعي أن تحتفظ بأسمائها حين نتحدث عنها.

الأمر هنا يتجاوز النقاش حول مفردة تصلح للاستعمال المدرسي وأخرى لا تصلح. إنه يكشف عن نظرة تجعل ما هو مغربي أقل قيمة مما يأتي من الخارج، حتى في تفاصيل حياتنا البسيطة. وهذا أحد أوجه الاستلاب اللغوي والهوياتي.

وأعتقد أن بعض الذين يحتقرون هويتهم اللغوية هم أنفسهم ضحايا لأيديولوجيات عابرة للحدود، تشبعوا بها حتى أصبحوا ينظرون إلى ثقافتهم الأصلية بعيون غيرهم.

أتذكر حادثة عشتها أيام الجامعة، حين اقتحم طالبان ينتميان إلى أحد الفصائل الطلابية قاعة الدرس. تدخلت مطالبا إياهما بالانسحاب، فطلب مني أحدهما أن أتحدث بالعربية بدل الأمازيغية. رفضت، وواصلت الحديث بلغتي. عندها التفت إليه مرافقه وخاطبه بالأمازيغية، طالبا منه أن يتركني أكمل كلامي بها.

صعقت حين اكتشفت أنهما يتحدثان الأمازيغية معا، وأن من طالبني بالتخلي عنها يستعملها بدوره. أدركت يومها إلى أي حد يمكن للأيديولوجيا أن تستولي على وعي الإنسان، فتجعله يعادي في الفضاء العام لغة يتحدثها في حياته الخاصة.

لم يكن ذلك الطالب يجهل الأمازيغية أو ينتمي إلى بيئة غريبة عنها. كان يحملها في لسانه، لكن قناعاته السياسية جعلته يتعامل معها كما لو كانت عائقاً ينبغي إبعاده عن المجال العام.

ومنذ تلك الحادثة وأنا أرى أن الاستلاب الهوياتي لا يقاس باللغة التي يتحدثها الإنسان، وإنما بنظرته إلى لغته ومكانتها وحق الآخرين في استعمالها. فقد يتحدث المرء الأمازيغية بطلاقة، ثم يتبنى تصوراً أيديولوجياً يسعى إلى إقصائها.

وأنا لا أرى أي تعارض بين إتقان العربية الفصحى أو الفرنسية أو الإنجليزية وبين الاعتزاز بالأمازيغية والدارجة. تعلم اللغات يوسع آفاق الإنسان، وقد كانت العربية نفسها جزءا أساسيا من تاريخ المغرب الثقافي والديني والعلمي.

المشكلة تبدأ حين يحتقر المرء لسان أمه ويعتقد أن التخلص من لكنته شرط للحصول على الاعتراف الاجتماعي والثقافي.

– تامغرابيت والثقة في الذات

حين أتحدث عن تامغرابيت فإنني أقصد تلك الثقة التي تجعل المغربي ينطلق من تاريخ بلاده وثقافتها دون شعور بالنقص أمام الآخرين. لقد تشكلت شخصيتنا المغربية عبر قرون من التفاعل مع ثقافات مختلفة، واحتفظنا بخصوصيتنا في الكلام والعادات والتفكير، وحتى في طريقة استقبال ما يأتي من الخارج.

وكان هذا التصور أحد الأسباب التي جعلتني أنخرط في المشروع السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، الذي وجدت في مرجعيته منذ تأسيسه سنة 2008 تصوراً لحداثة مغربية لا تتنكر لجذورها. وما زلت مؤمنا بأن بإمكاننا بناء تجربتنا الخاصة دون الحاجة إلى استنساخ تجارب الآخرين.

أما فاطمة الزهراء المنصوري، فستحاسب على قرارات حكومتها وما تحققه من نتائج، وليس على اللكنة التي اكتسبتها في مدينتها.

وأتمنى أن يأتي يوم نستمع فيه إلى مسؤول مغربي يتحدث بلكنة مراكشية أو ريفية أو سوسية دون أن يثير ذلك استغرابا، وأن ننشغل بما يقوله ويفعله، لا بمدى قدرته على إخفاء لكنته الأصلية.

فتامغرابيت لا تعني أن نتحدث جميعا بالصوت نفسه، وإنما أن نمتلك الثقة التي تجعل اختلاف ألسنتنا جزءاً من شخصيتنا الوطنية.

*رئيس اللجنة الأمازيغية بحزب الأصالة والمعاصرة

Scroll to Top

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط
benaddi_hassan_b027e48659
غشت 2008
تأسيس الحزب وانتخاب السيد حسن بنعدي أمينا عاما
biadiallahconfe_304286227
20-22 فبراير 2009
انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "السياسة بأخلاق أخرى"، وانتخاب السيد الشيخ بيد الله أمينا عاما
bakkouripam_438777855
17-19 فبراير 2012
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني، تحت شعار: "معاً . . لربح الرهانات"، وانتخاب السيد مصطفى بكوري أمينا عاما للحزب
https___cloudfront-eu-central-1.images.arcpublishing
22-24 يناير 2016:
انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، تحت شعار: "مغرب الجهات: انخراط واع ومسؤول"، وانتخاب السيد إلياس العمري أمينا عاما للحزب
benchamass
2018
انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب، وانتخاب السيد حكيم بنشماش أمينا عاما
ouhbi
7-9 فبراير 2020
انعقاد المؤتمر الوطني الرابع، تحت شعار: "المغرب للجميع"، وانتخاب السيد عبد اللطيف وهبي امينا عاما للحزب
Screenshot from 2026-02-15 17-33-10
19-20 ماي 2023
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة"، وانتخاب السيدة قلوب فيطح رئيسة للمنظمة
9yada jama3ya
9-11 فبراير 2024
انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، تحت شعار: "تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية"، واختيار صيغة القيادة الجماعية لأول مرة في المغرب
liberalinternational
دجنبر 2024
الانضمام إلى منظمة الليبرالية العالمية
salahabkari
26-27 شتنبر 2025
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "شبابٌ يقُودُ، أملٌ يعُودُ"، وانتخاب السيد صلاح الدين عبقري رئيسا للمنظمة