أعاد جلالة الملك محمد السادس، في توجيهاته خلال 9 أبريل 2026، التأكيد على أن الجهوية المتقدمة لم تعد مجرد ورش مؤسساتي، بل أصبحت خيارا استراتيجيا لتقليص الفوارق المجالية وتحقيق تنمية منصفة. غير أن قيمة هذا التوجه لا تتجلى فقط في مضامينه النظرية، بل في نماذج التنزيل الميداني التي تعكس نجاعته، ومن أبرزها تجربة جهة مراكش آسفي.
في سياق تنزيل ورش الجهوية، برزت جهة مراكش آسفي، بقيادة رئيسها سمير كودار، كنموذج يعكس الانتقال من التدبير التقليدي إلى دينامية تنموية مندمجة. فقد اعتمدت الجهة مقاربة قائمة على العدالة المجالية، عبر توزيع المشاريع بشكل متوازن بين مختلف الأقاليم، وعدم حصرها في المراكز الحضرية الكبرى.
هذا التوجه مكن من إطلاق مشاريع حيوية شملت البنيات التحتية، وتأهيل العالم القروي، ودعم الاستثمار، إلى جانب تعزيز الخدمات الاجتماعية، وهو ما ينسجم مع روح التوجيهات الملكية التي تجعل من المواطن محور السياسات العمومية.
ما يميز تجربة جهة مراكش آسفي هو حرص رئاستها على عدم ترك أي إقليم خارج دينامية التنمية. فقد تم تسجيل حضور فعلي للمشاريع في أقاليم مثل شيشاوة، الحوز، اليوسفية، الرحامنة، والصويرة، وقلعة السراغنة، إلى جانب عمالة مراكش، بما يعكس إرادة واضحة لتقليص الفوارق المجالية.
هذه المقاربة الترابية المتوازنة ليست فقط ترجمة عملية للجهوية المتقدمة، بل تعكس أيضا فهما عميقا لرهانات التنمية، التي لا يمكن أن تتحقق دون إشراك جميع المجالات، خصوصا تلك التي عانت تاريخياً من الهشاشة.
لا يمكن الحديث عن هذه الدينامية دون الإشارة إلى أسلوب التدبير الذي اعتمده سمير كودار، والذي اتسم بالانفتاح على مختلف الفاعلين، والإنصات لحاجيات الساكنة، إلى جانب تتبع ميداني مستمر لتنفيذ المشاريع.
وقد ساهم هذا النهج في تسريع وتيرة الإنجاز، وتجاوز عدد من الإكراهات التي كانت تعيق تنزيل البرامج التنموية، مما جعل الجهة تحقق تقدما ملحوظا في عدد من الأوراش ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين.
تؤكد تجربة جهة مراكش آسفي أن الجهوية المتقدمة ليست مجرد إطار قانوني، بل هي رهينة بمدى توفر إرادة تدبيرية قادرة على تحويل التوجيهات إلى مشاريع ملموسة. وهنا يبرز دور القيادة الجهوية في إضفاء الحيوية على هذا الورش، عبر المبادرة والابتكار وحسن توظيف الإمكانيات.
كما تبرز هذه التجربة أن نجاح الجهوية يمر عبر التكامل بين الرؤية المركزية والدينامية المحلية، وهو ما شدد عليه جلالة الملك محمد السادس في أكثر من مناسبة.
إن الاستدلال بتجربة جهة مراكش آسفي يبرز بوضوح أن الجهوية المتقدمة قادرة على تحقيق نتائج ملموسة متى توفرت شروط الحكامة الجيدة والإرادة الصادقة. وما تحقق بالجهة، بفضل العمل الذي قاده سمير كودار، يعكس نموذجا يمكن الاستئناس به في باقي الجهات، من أجل تنزيل فعلي وعادل لهذا الورش الملكي الطموح.
كوثر الغرفي