لم يعد النقاش حول الهجرة الجماعية للشباب يختزل في سؤال الرحيل أو البقاء، بل بات يرتبط بشكل مباشر بمدى قدرة المجتمع والمؤسسات على توفير فرص حقيقية للشباب، ومنحهم أسبابا مقنعة للاستقرار والمشاركة وصناعة مستقبلهم داخل الوطن.
ومن هذا المنطلق، اختارت مجموعة العمل الإقليمية لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة بإقليم صفرو تخليد اليوم الوطني للمهاجر بفتح نقاش مباشر مع شباب الإقليم حول ظاهرة الهجرة، تحت عنوان: “الهجرة الجماعية: من تشخيص الظاهرة إلى تمكين الشباب وصناعة البدائل”، وذلك يوم الأحد 16 غشت 2026 بمقر حزب الأصالة والمعاصرة بصفرو.
ويأتي هذا النقاش في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية تجعل قضية التشغيل والتمكين الاقتصادي للشباب في صلب أي نقاش جدي حول الهجرة.
ووفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط برسم سنة 2025، بلغ معدل البطالة وطنيا 13 في المائة، فيما ارتفع لدى الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 سنة إلى 37.2 في المائة، مقابل 19.1 في المائة لدى حاملي الشهادات.
وشكل اللقاء مناسبة لفتح نقاش جاد ومسؤول حول الأسباب والدوافع الكامنة وراء الهجرة الجماعية، ولا سيما في صفوف الشباب، مع استحضار العوامل الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بها، ومناقشة التحديات التي تواجه الأجيال الشابة في البحث عن فرص العمل والاستقرار وتحقيق الطموحات.
وعرف اللقاء حضور عدد من شباب إقليم صفرو، حيث تحول النقاش إلى فضاء مفتوح للتعبير عن الانشغالات وانتظارات هذه الفئة، وطرح أفكار ومقترحات عملية همت التشغيل، والتمكين الاقتصادي، وتكافؤ الفرص، وتحسين الخدمات، إلى جانب توفير بيئة أكثر تحفيزا على الاستقرار والمشاركة والمبادرة.
وأكد النقاش أن معالجة ظاهرة الهجرة الجماعية (غير النظامية) لا يمكن أن تقتصر على المقاربة الأمنية أو على محاولة إقناع الشباب بالعدول عن الهجرة، وإنما تستوجب معالجة الأسباب التي تدفع إليها، عبر بناء بدائل واقعية تمنح الشباب الأمل والثقة في المستقبل، وتفتح أمامهم آفاقا حقيقية للاندماج الاقتصادي والاجتماعي وتحقيق الذات.
وفي هذا الإطار، جرى التأكيد على أن توفير فرص الشغل يظل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة جانب مهم من الإشكالات التي تواجه الشباب.
وتكشف معطيات سوق الشغل عن استمرار الفجوة بين المعدل الوطني للبطالة ومعدل البطالة في صفوف الشباب، وهو ما يجعل قضايا التكوين والتشغيل والتمكين الاقتصادي حاضرة بقوة في أي تصور يروم الحد من دوافع الهجرة.
كما أظهرت معطيات سنة 2025 أن قطاعات الخدمات والبناء والصناعة أسهمت في خلق مناصب شغل جديدة، مقابل فقدان مناصب في قطاع الفلاحة والغابات والصيد.
ولم يقف النقاش عند الجوانب الاقتصادية، بل امتد إلى طبيعة الخطاب الموجه إلى الشباب، حيث تم التشديد على ضرورة الانتقال من خطاب الوعظ والتخويف إلى خطاب يقوم على الإنصات والمشاركة والثقة والتمكين، باعتبار الشباب شريكا أساسيا في صناعة الحلول والسياسات العمومية، وليس مجرد فئة مستهدفة بها.
كما شكل اللقاء مناسبة للتأكيد على أهمية تعزيز المشاركة السياسية للشباب، وتشجيعهم على التعبير عن آرائهم واختياراتهم والانخراط الفاعل في الاستحقاقات الانتخابية، باعتبار الانتخابات إحدى الآليات الأساسية للتعبير الديمقراطي والإسهام في تدبير الشأن العام.
وفي السياق ذاته، شدد المشاركون على ضرورة إشراك الشباب في صناعة القرار وفتح المجال أمامهم لتحمل المسؤولية والولوج إلى المؤسسات المنتخبة، بما يسهم في تجديد النخب وإدماج الكفاءات والطاقات الشابة في تدبير الشأن المحلي والجهوي والوطني.
وتقاطعت مختلف الأفكار التي طرحت خلال اللقاء حول ضرورة الانتقال من تشخيص ظاهرة الهجرة إلى بناء حلول ملموسة، تجعل من التمكين الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للشباب جزءاً من معالجة الظاهرة، وتمنح الأجيال الجديدة مساحة أكبر للمبادرة والمشاركة وصناعة القرار.
مراد بنعلي