من مدرجات المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير بطنجة إلى المسؤولية الحكومية.. مسار يجمع بين الخبرة الإدارية والالتزام الحزبي ورهان تجديد مشاركة الشباب.
ينتقل صلاح الدين عبقري، رئيس منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، إلى مرحلة جديدة من مساره المهني والسياسي، عقب تعيينه من طرف الملك محمد السادس وزيرا منتدبا لدى وزير الشباب والثقافة والرياضة، مكلفا بالشباب، ضمن الحكومة الجديدة التي تقودها السيدة فاطمة الزهراء المنصوري.
ويأتي هذا التعيين تتويجا لمسار جمع بين العمل داخل الإدارة العمومية والتدرج في المسؤوليات الحزبية، واضعا أحد الوجوه الشابة في البام أمام مسؤولية تدبير قطاع يرتبط مباشرة بتطلعات الأجيال الجديدة وانتظاراتها.
ويستند مسار عبقري إلى تجربتين متوازيتين؛ الأولى إدارية، راكم من خلالها خبرة في تدبير الملفات المالية والإدارية داخل قطاعات حكومية متعددة، والثانية سياسية وتنظيمية، انطلقت من العمل الشبابي بمدينة طنجة، قبل أن تقوده إلى رئاسة منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة.
ويمنح هذا التداخل بين التجربتين تعيينه أبعادا تتجاوز انتقاله من موقع إلى آخر، ليضعه أمام تحدي توظيف خبرته الإدارية في بلورة وتنفيذ برامج تستجيب للتحولات التي يعرفها واقع الشباب المغربي.
ترتبط البدايات السياسية لصلاح الدين عبقري بمدينة طنجة، حيث التحق بحزب الأصالة والمعاصرة سنة 2012، عندما كان طالبا بالمدرسة الوطنية للتجارة والتسيير، بتأطير من د. الطاهر القور.
وشكلت هذه المرحلة نقطة انطلاق في مساره التنظيمي، إذ جمع بين التكوين الأكاديمي والانخراط في العمل الحزبي، قبل أن يتدرج في المسؤوليات ويصبح أحد الوجوه المكلفة بتأطير الشباب داخل الحزب.
ولم يكن هذا الانخراط مجرد محطة عابرة خلال سنوات الدراسة، بل تحول إلى مسار متواصل داخل التنظيم، مكنه من التعرف على آليات العمل الحزبي وتحديات استقطاب الشباب وإشراكهم في الحياة السياسية، في سياق يتزايد فيه النقاش حول تجديد النخب وتعزيز حضور الأجيال الجديدة داخل المؤسسات.
وقد ظل ارتباطه بطنجة حاضرا في محطات لاحقة من تجربته، إذ عاد إلى المدينة في دجنبر 2025 للمشاركة في المؤتمر الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، مستحضرا بدايات انخراطه السياسي وسنوات التكوين التي شكلت جزءا من هويته المهنية والحزبية.
على المستوى المهني، بدأ عبقري مساره الإداري بوزارة الداخلية، قبل أن ينتقل إلى وزارة الاقتصاد والمالية، ثم يلتحق بوزارة الشباب والثقافة والتواصل، حيث اشتغل مستشارا بديوان الوزير محمد المهدي بنسعيد.
وشكل انتقاله إلى قطاع الثقافة محطة مهمة في تطوره المهني، إذ تدرج في المسؤوليات الإدارية، وتولى منصب مدير الشؤون الإدارية والمالية، مسهما في تدبير ملفات مرتبطة بالموارد البشرية والميزانيات والتسيير الإداري للمؤسسات التابعة للقطاع.
وفي أكتوبر 2024، صدر قرار وزاري بتفويض الإمضاء إليه بصفته مديرا للكتاب والخزانات والمحفوظات بالنيابة، ضمن اختصاصات شملت وثائق إدارية ومالية مرتبطة بتدبير الموظفين والاعتمادات والصفقات العمومية، وفق الحدود المحددة في القرار.
وفي يناير 2025، كلف بمهام الكاتب العام بالنيابة لقطاع الثقافة، في مسؤولية أتاحت له الانخراط في تنسيق عدد من الملفات الإدارية بين المصالح المركزية والجهوية، ومواكبة متطلبات التدبير داخل القطاع.
وتبرز هذه المحطات جانبا من تجربته المهنية المرتبطة بالإدارة والتسيير، وهي خبرة قد تشكل رصيداً في مهمته الحكومية الجديدة، خصوصا أن السياسات الموجهة للشباب لا تتوقف عند تحديد الأولويات، بل تحتاج أيضا إلى آليات تنفيذ فعالة، وتدبير محكم للموارد، وتنسيق بين مختلف المتدخلين.
بالتوازي مع مساره الإداري، واصل عبقري نشاطه السياسي داخل حزب الأصالة والمعاصرة، إلى أن انتخب في 27 شتنبر 2025 رئيسا لمنظمة شباب الحزب، خلال مؤتمرها الوطني الثاني المنعقد بمدينة بوزنيقة، خلفاًك لنجوى ككوس.
وشكل هذا الانتخاب محطة بارزة في مساره التنظيمي، إذ انتقل من مواقع التأطير والعمل الداخلي إلى قيادة منظمة شبابية وطنية، بما تفرضه من مسؤوليات مرتبطة بتطوير الهياكل، وتقوية الحضور الجهوي، وتوسيع قاعدة المشاركة السياسية للشباب.
وخلال قيادته للمنظمة، انصب جانب من نشاطه على إعادة هيكلة عدد من الفروع الجهوية، وتنظيم لقاءات تواصلية حول المشاركة السياسية، وتطوير آليات التكوين والتأطير، في محاولة لتعزيز حضور الشباب داخل التنظيم الحزبي وربط العمل السياسي بقضاياهم اليومية.
كما ركز في مداخلاته السياسية والإعلامية على ضرورة مراجعة أساليب التواصل مع الأجيال الجديدة، معتبرا أن تجاوز أزمة المشاركة الشبابية يقتضي منح الشباب أدواراً فعلية في إعداد البرامج والإسهام في النقاش العمومي وصناعة القرار، بدل الاقتصار على استحضارهم في المحطات الانتخابية.
وفي يناير 2026، شدد على أهمية تجاوز النظرة التي تختزل التنظيمات الشبابية في كونها امتدادا انتخابيا للأحزاب، داعيا إلى توسيع فرص التكوين السياسي والمؤسساتي، وتعزيز إشراك الشباب في العمل التشريعي ومختلف مستويات الفعل العمومي.
من بين الملفات التي حضرت في خطاب عبقري، قضية الشباب غير المشتغلين وغير المتمدرسين وغير المستفيدين من التكوين، وهي فئة تطرح تحديات متشابكة تتعلق بالاندماج الاجتماعي والاقتصادي، والولوج إلى فرص الشغل، وتطوير المهارات، وتوسيع الاستفادة من برامج التأهيل.
ويأتي تعيين عبقري وزيرا منتدبا مكلفا بالشباب في مرحلة تتزايد فيها المطالب بتطوير السياسة الشبابية بالمغرب، وتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي، وتحديث دور الشباب والمراكز السوسيوثقافية، وتوسيع الولوج إلى الأنشطة التربوية والثقافية والترفيهية.
وسيكون الوزير الجديد أمام ملفات تتطلب رؤية متكاملة، تشمل تأهيل دور الشباب، وتحسين جودة الخدمات المقدمة داخل مؤسسات التنشيط والتأطير، ودعم المبادرات والمشاريع الشبابية، وتقليص الفوارق المجالية في الاستفادة من البرامج والفضاءات الموجهة إلى الشباب، خصوصا بالمناطق القروية والأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة.
ويمثل تعيين عبقري انتقالا من تدبير الملفات الإدارية داخل قطاع الثقافة وقيادة التنظيم الشبابي لحزب الأصالة والمعاصرة إلى تحمل مسؤولية حكومية تتطلب ترجمة الأولويات إلى برامج قابلة للتنفيذ والتقييم.
خديجة الرحالي