قال عادل البيطار، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، إن الحزب يدخل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة برؤية تقوم على “تغيير المسار”، من خلال برنامج انتخابي قال إنه يشكل بديلا واضحا وقابلا للتنفيذ، مؤكدا أن مشاركة الحزب في الحكومة لا تعني التخلي عن حقه في تقييم السياسات العمومية والتعبير عن مواقفه عندما تختلف مع التدبير الحكومي.
وأوضح البيطار، في حديث مع منبر “هسبريس”، أن موقع البام داخل الأغلبية الحكومية يختلف بشكل طبيعي عن موقع أحزاب المعارضة، بالنظر إلى تحمله مسؤولية تدبير قطاعات حكومية، مشيرا إلى أن الحزب ظل ملتزما بمسؤوليته وبالاختيارات التي شارك في صياغتها، لكنه في المقابل يحتفظ بحقه في إبداء الرأي وتقييم أداء مختلف مكونات الحكومة.
وقال إن المغاربة سيحاكمون كل مكون من مكونات الحكومة انطلاقا من القطاعات التي تولى مسؤولية تدبيرها، ومن حصيلة العمل والنتائج المحققة، مشددا على أن “الحقيبة وسيلة لكي تؤثر في البرنامج وليست غاية في حد ذاتها”، في إشارة إلى أن تولي المسؤولية الحكومية بالنسبة إلى الحزب ينبغي أن يكون مرتبطا بالقدرة على التأثير في السياسات العمومية وخدمة المواطنين، وليس مجرد هدف في حد ذاته.
وأضاف أن الظرفية الوطنية والدولية والتحولات التي يعرفها المجتمع المغربي دفعت الحزب إلى مراجعة أدائه والعمل على تقديم تصور جديد، معتبرا أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الأشخاص أو المواقع، وإنما على تغيير المسار من خلال بديل سياسي وبرنامج واضح.
وفي هذا السياق، أكد البيطار أن البرنامج الانتخابي للحزب لم يُنجز في ظرف وجيز، بل كان ثمرة عمل امتد لنحو سنتين، شاركت فيه أكاديمية الحزب ومختلف هياكله ومناضلوه وأعضاء المكتب السياسي، إلى جانب كفاءات وطاقات من خارج التنظيم، مشيرا إلى أن الحزب حرص على فتح النقاش أمام كفاءات جديدة والاستفادة من خبراتها.
وأوضح أن البرنامج انطلق من تشخيص للوضع الحالي، ومحاولة تحديد الأولويات والحاجيات الحقيقية للمغرب، قبل الانتقال إلى صياغة الالتزامات وربطها بوسائل التنفيذ والموارد المالية اللازمة.
ورفض البيطار اختزال البرنامج في الجانب التقني أو الاقتصادي، أو القول إنه يفتقر إلى البعد السياسي والديمقراطي، مؤكدا أنه يتضمن تصورا متكاملا لعدد من القضايا المرتبطة بالحقوق والحريات والتنمية والعدالة الاجتماعية، بما ينسجم مع ما وصفه بجيل جديد من الحقوق والانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
وأشار إلى أن التحولات التي يعرفها المغرب تفرض التعامل مع ملفات جديدة، من بينها الأمن الطاقي والأمن الغذائي والأمن العلمي، معتبرا أن التطور التكنولوجي وتصاعد الهجمات السيبرانية وما يمكن أن تطرحه من مخاطر على السيادة الوطنية يجعل الأمن العلمي والتكنولوجي جزءا أساسيا من التصور المستقبلي للبلاد.
وأولى البرنامج، بحسب البيطار، مكانة خاصة للشباب، انطلاقا من التحولات التي طرأت على انتظارات هذه الفئة، سواء في مجالات التعليم والصحة والتشغيل أو في المجالين الاجتماعي والاقتصادي. وقال إن التعامل مع الشباب لا يمكن أن يقتصر على توفير أي فرصة للشغل، وإنما ينبغي أن يتعلق بإدماج حقيقي يضمن العمل اللائق والعقد والحماية الاجتماعية والحقوق والقدرة على الاستقرار وتكوين الأسرة.
وأوضح أن الحزب يقترح مسارا متكاملا يبدأ من التعليم والتكوين ويمر عبر التشغيل وصولا إلى الإدماج والاستقرار الاجتماعي، مع تشخيص وضعية الشباب وتحديد احتياجات كل فئة، بدل الاكتفاء بمقاربات عامة.
وتوقف البيطار عند مشكل التنقل الجغرافي المرتبط بالتشغيل، موضحا أن حصول شاب على فرصة عمل في مدينة مثل الرباط، مثلا، لا يعني بالضرورة قدرته على الالتحاق بها إذا لم تكن لديه الإمكانات المالية اللازمة لتغطية تكاليف الانتقال والسكن في البداية.
ولذلك، يتضمن التصور المقترح آلية لدعم الشباب خلال هذه المرحلة الانتقالية، من خلال صندوق تشرف عليه الدولة يمكن أن يوفر دعما أو تسبيقا يساعد الشاب على تغطية مصاريف الأشهر الأولى، ومنها كلفة السكن.
كما شدد على أن إدماج الشباب لا ينبغي أن يمر فقط عبر الوظيفة، بل أيضا عبر تشجيع المبادرة والمقاولة، مع توفير المواكبة والتمويل والتسهيلات التي تمكن الشباب من خلق مشاريعهم الخاصة والاندماج في الدورة الاقتصادية.
ويشمل التصور كذلك موضوع السكن، من خلال التفكير في توفير سكن موجه للشباب، مع إمكان اعتماد صيغ للكراء المفضي إلى التملك، بما يسمح لهذه الفئة بتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاجتماعي ويخفف من أحد أبرز العوائق أمام الاستقلال وتكوين الأسرة.
وبخصوص الكلفة المالية للبرنامج، أكد البيطار أن الحزب اشتغل على تحديد الموارد اللازمة لتنفيذ التزاماته، موضحا أن الأمر لا يتعلق بمجرد وعود انتخابية، وإنما ببرنامج جرى ربط أولوياته بحاجيات البلاد وقدرتها على التمويل، بإسهام أطر أكاديمية البام برئاسة الدكتور أحمد اخشيشن، ومناضلات ومناضلين، وكفاءات وخبراء في الاقتصاد والمالية والميزانية.
وقال إن البرنامج حدد كلفة إجمالية في حدود 350 مليار درهم، معتبرا أن هذا الرقم جاء نتيجة مسار بدأ بالتشخيص وتحديد الأولويات والحاجيات، ثم احتساب تكلفة تنفيذها وربطها بالموارد والإمكانات المتاحة للاقتصاد الوطني خلال الولاية الحكومية المقبلة.
وفي هذا السياق، تحدث البيطار عن الدور الذي يمكن أن يكون قد لعبه فوزي لقجع، عضو المكتب السياسي للحزب، في النقاش المرتبط بالجانب المالي للبرنامج، بالنظر إلى تجربته في الميزانية والقوانين المالية ومعرفته الدقيقة بالمعطيات الجبائية والمالية، مشيرا إلى أن لقجع راكم تجربة جعلته محل احترام خلال مناقشة قوانين المالية.
لكنه شدد في المقابل على أن البرنامج ليس نتاج شخص واحد، وإنما ثمرة عمل جماعي شاركت فيه مؤسسات الحزب ومناضلوه وقيادته وكفاءات من خارجه، إلى جانب الطاقات الجديدة التي التحقت بالحزب، مؤكداً أن قيمة البرنامج تكمن في كونه تصورا مؤسساتيا وليس مشروعا مرتبطا بشخص بعينه.
واعتبر البيطار أن ما يميز البرنامج، في نظره، هو أنه لا يكتفي بتحديد الأولويات والالتزامات، بل يحاول الإجابة أيضا عن سؤال أساسي يتعلق بكيفية تنفيذها ومصادر تمويلها، حتى تكون الأرقام المقترحة قابلة للتحقق ولا تتحول إلى مجرد وعود انتخابية.
وأكد أن البام لا يريد الدخول إلى الانتخابات بمنطق الحسابات المرتبطة بالأشخاص أو بالمواقع، وإنما باعتباره حزبا يسعى إلى تقديم عرض سياسي واضح للمغاربة، مستفيدا من تجربته داخل الحكومة ومن احتكاكه المباشر بالمجتمع وبالحاجيات التي يطرحها المواطنون في مختلف المجالات.
وشدد على أن الحزب، رغم مشاركته في التدبير الحكومي، لا يعتبر نفسه معفيا من تقييم السياسات العمومية أو من تقديم مقترحات بديلة، معتبرا أن المسؤولية السياسية تقتضي الاعتراف بما تحقق، وفي الوقت نفسه التعبير عن الاختلاف عندما تفرضه نتائج التدبير أو انتظارات المواطنين.
وأكد البيطار على أن الحكم النهائي سيبقى للمغاربة، الذين سيقارنون بين البرامج والالتزامات والحصيلة، معتبرا أن رهان الحزب هو الانتقال من الخطاب العام إلى برنامج محدد الأولويات، واضح الالتزامات، وقابل للتنفيذ والتمويل، بما يترجم شعار “تغيير المسار” إلى اختيارات عملية خلال الولاية الحكومية المقبلة.
مراد بنعلي