علمنـــا التاريــخ أن “الحقائق عنيدة” وأن حياتنا تفقد براءتهـــا باستمرار أمام تضخم ” الصور الكاذبة” عن كل شيء. عن الإنسان، العالــم وعن السياسة. لم يعد مشهد رواية كافكا صادما؛ يمكن للإنسان تصديق حقيقة تحوله إلى حشرة ضخمة، تلتهم من حولها بشراهة، دون اعتبار لأي شيء. وسط هذه الظروف المعقدة، نشأت “ديمقراطية الكذب” كحالة مرضية متطورة، تعتقد أنها تجيب عن احتياجات الناس للأخبار السيئة. من يهتــــم لخبر جيد هذه الأيــــام !؟ ومن شهيته مفتوحـــة هذه الأيام ليكون خبر “اتهــــام وزيرة” فوق مائدته مطلبا ملحا؟! من يسمم إناء الحساء ويعتقد أنـــه لن يغرف منه ؟! الصياد التعيس، الذي لا مهارة له ولا “صدق” لمواعدة البحر. سيقتات على نفس السمكة مرات عديدة، هكذا يعود “ملف عقار تسلطانت” البارد ليكســر مخاوف البعض وحروبهم القذرة، دون أن يحمل جديدا ! دون أن ينتبه هؤلاء إلى أن مواطنــة مغربية أدلت بمعية أشقائها ببيان حقيقة شامل في الموضوع ! لكــن “أذن الأطرش” تغرق في أبدية صمــــاء …
أيها المرجفــــون، نحن بلـــد ولسنا خيمة …
أيها العابثـــون، إنه بلد بقرار، قضاء وقانون. بلد بناه العهد الجديد بأناة وصبر. بلد نهـــــاره طويل جدا، حيث الجميع تحت شعاع الضوء ! التصدي للفساد السياســي اختيار مؤسساتي شامل وتحول دستوري وقضائي صريح وصارم بأشكال وأدوار رقابية مختلفة [ المجلس الأعلى للحســـابات- الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها-المفتشية العامة للإدارة الترابية-النيــابة العامة…].
إن جهود هذه المؤسسات ليست” حملة” طارئــة تشتد ثم ترق، إنها استمرارية مواكبة لكل مراكزالقرار والمسؤولية، لمجالات صرف المال العام ولتدبيره،حيث يمكن مراجعـــة عدد الإحالات القضائية في الموضـــوع وسياق المتابعات القانونية وحالات العزل إلى جانب المردودية المالية بالنسبة للمبالغ المسترجعة للخزينة. نعم يكلفنا الفساد السياســـي 5٪ من ناتجنا الداخلي الخام، لكـــن قد يكون ” الفساد الإعلامي” يحمل كل آفــات العصر، إنه مجال من مجالات المسؤولية والقرار التي لا تملك حصـــانة أمام الرقابة والمساءلة. الغمز في ذمم الناس و”المصادرة على المطلوب” ضدا على سلطة القضاء والقانون، انتصــار لحروب لا يشغلها “دم عثمان ولا قميصه” بقدر ما تشغلها أشيـــــاء أخرى،سيحسمــــها القضاء.
“اتهامــــات الفساد” تدخل في أدبيات التحييد والإقصاء وترتبط عادة بمناخ ” الاحتقان السياسي” سواء ضمن لحظة انتخابية أو تدبيرية وكذلك لتقليص “رصيد العمل والثقة”. لازلنا نتذكر التسميمات التي واجهها وزير متعفف مثل عبد الهادي بوطالب أو رجل دولة قوي ك”با حنيني” في سياق ظرفيات حساسة.حقيبة الإسكـــان والتعمير، ظلت لسنوات تخضع لمراكـــز نفوذ محددة، تفرض شروطــها على سوق العقار وعلى السياسات العمرانية، تقرير الهيئة الوطنية للنزاهة لسنة 2022 كشف عن “الفساد الحقيقي” داخل القطاع العقاري، الفســاد الذي يريد الهيمنة على القرار الإداري، الاقتصادي والاجتماعي، بداية من المضـــاربة بالمعلومة
و”الاستثناءات العقارية” حيث أنه بين 2010 و2020 التهمت التجزئات السكنية 70,000 هكتار من الأراضــي الفلاحية وصولا إلى الترامي على ” العقارات العمومية” نفسها وإلى الضغوط التشريعية التي ساهمت فيها أطـــراف إعلامية محددة.
المسؤولية تحتـــاج موقف ومواجهة، مواجهــة خاضتها الأخت فاطمة الزهراء المنصوري بصمت وإصرار دون مساومـــات رخيصة. بوادر هذا الاصطدام الضروري انطلقت تزامنا مع “معركة الرقمنة” والأطراف التي تحركت حينها في الخفاء لممارسة “البلوكاج” احتجاجا على نهاية الاحتكـــاك المباشر بين”المنعش والإدارة” فـــهل هذه الأطراف يأخذها الحنين اليـــوم إلى ” الأموال السهلة” وغير المشروعة ؟!
“الدولة الحديثة” قرار وطـــني تقوده عناية ملكية بمشاعر وإيمان متقد، ليس من أجل مغرب الأشخاص أبدا. إنه إجماع شعبي، تقويه تعبئة اجتماعية تتطلع للمستقبل وترفع التحدي. الثقة والإيمــــان وسط تجار “الشك” و”الانقسام”، أولئـــك المرجفون هم الخطر القادم من الداخل، الخطر الذي يقطن معنـــا والمُرجِفون فئة كانت تنشر أخبار كاذبة مثل “أُبيحت المدينة”، “قُتل محمد”، “جاءكم جيش لا قِبل لكم به”، لإدخال الرعب في قلوب المسلمين خلال”غزوة الأحزاب”، فئة تنشط وقت الأزمات والحروب والمصائب وتتغذى على الإشاعة وبعد أن استكنا للعفو ومددنا يد الإعراض دون أن تنتبه جوارح المدلسيـــن لذلك، فغاية ما يكـــون فيه الأمر؛ عدم التسامح مع وكلاء الفوضى الذين يحتجون بالديمقرطــية ولا يحتجون لها، الباحثين عن فضاءات تشهيــر مهادنة، تستبيح أعراض الناس بغير وجه حق.
قال تعالى:إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّاب. [غافر: 28]
صدق الله العظيم.
جمال المكماني