تفرض المرحلة السياسية التي أعقبت الانتخابات التشريعية وافتتاح الولاية التشريعية الثانية عشرة إعادة التفكير في طبيعة العلاقة بين الأغلبية الحكومية والعمل البرلماني، ليس باعتبارهما مجالين منفصلين لتدبير المسؤولية، وإنما باعتبارهما مسارين متكاملين تتوقف عليهما قدرة المؤسسات على تحويل الأولويات الوطنية إلى سياسات عمومية وتشريعات تستجيب لانتظارات المواطنين.
وفي هذا السياق، يكتسب اللقاء التواصلي الذي جمع القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة بفريقيه بمجلسي النواب والمستشارين، يوم الجمعة 9 أكتوبر بالرباط، أهمية تتجاوز طابعه التنظيمي، بالنظر إلى ما حمله من رسائل بشأن طبيعة المسؤولية المطروحة على الحزب خلال المرحلة المقبلة، سواء من موقعه في تشكيل الحكومة الجديدة أو من خلال حضوره داخل المؤسسة التشريعية.
– المنصوري: مسؤولية المرحلة تقتضي الارتقاء بالأداء البرلماني
وقد شكلت الكلمة التي ألقتها فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية للحزب، خلال هذا اللقاء، مدخلا لتحديد ملامح المرحلة المقبلة، من خلال التشديد على ضرورة استحضار حجم المسؤولية التي تفرضها النتائج الانتخابية، والارتقاء بمستوى الالتزام داخل المؤسسة التشريعية، والاستفادة من التجارب السابقة بما يسمح بتصحيح الاختلالات وتعزيز جودة الأداء.
وتتقاطع هذه التوجيهات مع طبيعة الرهانات التي تواجه العمل البرلماني في بداية الولاية الجديدة، حيث لم يعد الحضور داخل المؤسسة التشريعية مسألة عددية فحسب، بل أصبح مرتبطا بمدى القدرة على المساهمة الفعلية في النقاش العمومي، وجودة المبادرات التشريعية، وفعالية الترافع عن القضايا الوطنية والمحلية، والالتزام بالمسؤوليات المرتبطة بالتمثيل السياسي.
كما يضع هذا التوجه مسألة الانضباط والجدية في صلب الممارسة البرلمانية، باعتبارهما شرطين لتطوير أداء الفرق البرلمانية وتعزيز قدرتها على مواكبة التحولات السياسية والمؤسساتية، فالثقة التي يمنحها الناخبون لممثليهم تظل مرتبطة، في نهاية المطاف، بما يقدمونه من عمل داخل المؤسسات وبمدى قدرتهم على جعل هذا العمل متصلا بانشغالات المواطنين وانتظاراتهم.
وفي امتداد لهذه الرؤية، استحضر اللقاء مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، وما تضمنه من توجهات تهم المرحلة المقبلة، لاسيما تعزيز الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وإعطاء قضايا الشباب مكانتها ضمن الأولويات، وتطوير الحضور الميداني، إلى جانب مواكبة القضايا المرتبطة بالعلاقات الخارجية والدبلوماسية الموازية.
وتستدعي هذه الأوراش حضورا برلمانيا قادرا على التفاعل مع رهاناتها من خلال التشريع والمراقبة والترافع، وربط النقاش داخل المؤسسة التشريعية بالتحولات التي تعرفها السياسات العمومية على المستوى الوطني والترابي، كما تبرز أهمية انخراط البرلمانيين في نقل انشغالات المجالات الترابية والفئات الاجتماعية إلى النقاش المؤسساتي، بما يعزز الصلة بين التمثيل السياسي والنتائج الملموسة.
– فريق برلماني يتطلع إلى ولاية تشريعية قوية
ومن جهتهم، أكد أعضاء فريقي حزب الأصالة والمعاصرة بمجلسي النواب والمستشارين عزمهم على البصم على ولاية تشريعية قوية، قوامها الالتزام بالحضور والاضطلاع بالمسؤوليات البرلمانية، وتعزيز جودة التدخلات والمبادرات، إلى جانب مواكبة البرنامج الحكومي والعمل على توفير شروط تنزيله، في إطار احترام الأدوار الدستورية للمؤسسة التشريعية.
ويعكس هذا الالتزام توجها نحو جعل الولاية التشريعية المقبلة محطة لتطوير الممارسة البرلمانية، من خلال الجمع بين الحضور المنتظم والفاعلية في المواقف والإسهام في إنتاج النصوص التشريعية ومناقشتها، فضلا عن تتبع السياسات العمومية وتقييم نتائجها.
وتكتسي هذه المسؤولية أهمية خاصة في ظل الاستعداد لتشكيل الحكومة الجديدة، إذ إن مواكبة البرنامج الحكومي لا تختزل في توفير الدعم السياسي لمكوناته، بل تشمل أيضا الإسهام في مناقشة أولوياته التشريعية، وتتبع تنزيل التزاماته، والتفاعل مع الصعوبات التي قد تعترض تنفيذها، كما يظل العمل الرقابي جزءا أصيلا من الوظيفة البرلمانية، بما يتيح الوقوف على مدى تقدم الإصلاحات ومدى استجابتها للأهداف المعلنة.
ومن هذا المنطلق، فإن قوة الأغلبية لا تقاس فقط بمدى انسجام مكوناتها أو قدرتها على تأمين التصويت على مشاريع القوانين، بل كذلك بقدرتها على بناء تصور مشترك للأولويات، وتنسيق الجهود بين العمل الحكومي والعمل البرلماني، مع الحفاظ على جودة النقاش المؤسساتي واحترام الاختصاصات الدستورية لكل طرف.
– التكامل المؤسساتي مدخل لنجاعة البرنامج الحكومي
إن العلاقة بين الحكومة والبرلمان تظل من المحددات الأساسية لنجاعة السياسات العمومية، بالنظر إلى أن تنزيل البرامج الحكومية يحتاج إلى إطار تشريعي ملائم، وإلى مواكبة برلمانية تضمن مناقشة الاختيارات المطروحة وتتبع تنفيذها وتقييم آثارها، غير أن هذا التكامل لا يتحقق بصورة تلقائية، بل يستلزم وضوحا في الأولويات، وتنسيقا في العمل، وتحديدا للمسؤوليات، وقدرة على تحويل التوافقات السياسية إلى التزامات عملية.
وبالنسبة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، تضع المرحلة المقبلة العمل البرلماني أمام مسؤولية مواكبة التحول من الاستحقاق الانتخابي إلى التدبير المؤسساتي، بما يقتضيه ذلك من ربط المرجعية البرنامجية للحزب بالمساهمة في السياسات العمومية، ومن تعزيز التنسيق بين ممثليه في البرلمان ومختلف مستويات العمل الحزبي.
ويكتسب هذا الرهان بعدا إضافيا بالنظر إلى تعدد الملفات المطروحة، من قضايا التنمية الترابية والعدالة المجالية إلى التشغيل والشباب وتحسين الخدمات العمومية، وهي ملفات تتطلب مقاربة تتجاوز المعالجة القطاعية الضيقة، وتستدعي تعاونا مؤسساتيا يسمح ببلورة الحلول ومتابعة تنفيذها، دون إغفال دور البرلمان في مساءلة الحكومة بشأن النتائج المحققة.
وهكذا، فإن معادلة المرحلة السياسية الجديدة تقوم على تلازم المسؤولية الحكومية والفاعلية البرلمانية، وعلى جعل الانسجام السياسي وسيلة لتيسير العمل المؤسساتي، لا بديلا عن النقاش والمساءلة، فنجاح الأغلبية المقبلة سيظل مرتبطا بقدرتها على الجمع بين وضوح المشروع الحكومي، وجودة التشريع، وفعالية الرقابة، والارتباط المستمر بانتظارات المواطنين.
ومن ثم، فإن الولاية التشريعية الجديدة لا تفتح أمام حزب الأصالة والمعاصرة مجالا لتوسيع حضوره المؤسساتي فحسب، بل تضعه أيضا أمام اختبار تحويل هذا الحضور إلى أداء منتج، يواكب العمل الحكومي ويسهم في تطوير السياسات العمومية، ويجعل من الالتزام والمسؤولية والإنجاز مرتكزات أساسية للممارسة السياسية.
سارة الرمشي