يستحضر حزب الأصالة والمعاصرة، في هذه الذكرى الثامنة عشرة لتأسيسه، مسارا سياسيا وتنظيميا امتد لما يقارب عقدين من الزمن، حافلا بالمحطات والرهانات والتحولات التي طبعت المشهد السياسي المغربي خلال هذه الفترة.
فمنذ انطلاقه، جاء الحزب حاملا مشروعا سياسيا يقوم على الجمع بين الأصالة باعتبارها امتدادا للهوية والمرجعيات الوطنية، والمعاصرة باعتبارها انفتاحا على التحولات المجتمعية ومتطلبات بناء دولة المؤسسات. وبين هذين البعدين، تشكلت تجربة سياسية أثارت الكثير من النقاش، لكنها في الوقت نفسه استطاعت أن تفرض حضورها داخل الحياة السياسية الوطنية.
وبعد 18 سنة، لم يعد السؤال بالنسبة إلى الأصالة والمعاصرة مرتبطاً فقط بحجم حضوره الانتخابي أو بعدد منتخبيه ومواقعه المؤسساتية، بل أصبح مرتبطا بمدى قدرته على تجديد مشروعه السياسي والتنظيمي، وتعزيز الثقة مع المواطنين، وتحويل حضوره المؤسساتي إلى أثر ملموس في حياة الناس.
فالعمل الحزبي اليوم لم يعد يحتمل الاكتفاء بمنطق المناسبات أو الحملات الانتخابية، وإنما أصبح يتطلب حضورا دائما في الميدان، واستماعا مستمرا إلى انتظارات المواطنين، وقدرة على تقديم حلول واقعية للإشكالات الاجتماعية والاقتصادية والتنموية. وهذا ما يجعل من القرب والتواصل والإنصات عناصر أساسية في مستقبل أي تنظيم سياسي يريد أن يحافظ على موقعه داخل المجتمع.
كما أن مرور 18 سنة يفرض على الحزب قراءة تجربته بكل موضوعية، بما لها وما عليها، والاستفادة من تراكماتها، دون أن تتحول الذكرى إلى مجرد احتفال بالماضي. فالاحتفال الحقيقي بهذه المناسبة ينبغي أن يكون مناسبة للتقييم والمراجعة وتجديد الالتزام، خصوصا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي.
إن قوة الأحزاب السياسية لا تقاس فقط بحضورها داخل المؤسسات، وإنما أيضا بقدرتها على إنتاج الأفكار، وتأطير المواطنين، وتكوين النخب، وتجديد آليات الاشتغال، وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة، وتعزيز مكانة الشباب والنساء داخل مواقع القرار.
ومن هذه الزاوية، تبدو الذكرى الثامنة عشرة لتأسيس الأصالة والمعاصرة فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: ماذا يريد الحزب أن يكون خلال السنوات المقبلة؟
فالمستقبل لن يكون امتدادا آليا للماضي، والنجاح في الاستحقاقات المقبلة لن يتحقق فقط بالشعارات، وإنما بمدى القدرة على بناء تنظيم قوي، متماسك، منفتح، قريب من المواطنين، وقادر على تحويل الأفكار والبرامج إلى سياسات ومبادرات ذات أثر.
كما أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى خطاب سياسي أكثر وضوحاً وواقعية، يبتعد عن المزايدات ويقترب من القضايا الحقيقية التي تشغل المغاربة، من التشغيل والتعليم والصحة والسكن إلى العدالة المجالية والتنمية المحلية والحماية الاجتماعية.
لقد قطع حزب الأصالة والمعاصرة خلال 18 سنة مسافة مهمة في المشهد السياسي المغربي، غير أن الأهم اليوم ليس فقط الاحتفاء بما تحقق، بل تحويل هذا التراكم إلى قاعدة لبناء مرحلة جديدة.
مرحلة يكون فيها الحزب أكثر حضورا في المجتمع، وأكثر إنصاتا للمواطن، وأكثر قدرة على تجديد نخبته وأفكاره، وأكثر التزاماً بالدفاع عن القضايا الوطنية والتنموية.
ثمانية عشر عاما ليست نهاية مسار، بل محطة للتأمل وإعادة الانطلاق.
والرهان الحقيقي أمام الأصالة والمعاصرة اليوم هو أن يجعل من هذه الذكرى مناسبة للانتقال من سؤال «ماذا حققنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا نريد أن نحقق في المستقبل؟»
فالأحزاب التي تصنع المستقبل هي تلك التي تعرف كيف تتعلم من تجربتها، وتقرأ تحولات مجتمعها، وتجدد نفسها دون أن تفقد هويتها.
وهنا بالضبط يكمن التحدي الحقيقي أمام حزب الأصالة والمعاصرة في سنته الثامنة عشر.
إبراهيم الصبار