الأمازيغية.. وحكومة المونديال [الجزء 1]

0 12٬261

رشيد بوهدوز
رئيس اللجنة الأمازيغية بحزب الأصالة والمعاصرة


الأمازيغية بين الاعتراف الدستوري وتحديات التفعيل
شكل ترسيم الأمازيغية في دستور 2011 تحولًا جوهريًا في مسار الاعتراف الرسمي بها كأساس الهوية الوطنية المغربية. بعد عقود من التهميش، أتاح هذا الترسيم فرصة جديدة لتكريس التنوع الثقافي واللغوي كقيمة مضافة للوحدة الوطنية، إلا أن الاعتراف القانوني لا يكفي وحده لضمان حضورها الفعلي في مختلف مناحي الحياة العامة.

فرغم المصادقة على القانون التنظيمي المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، فإن عملية التنزيل لا تزال تواجه عقبات بنيوية حالت دون تحقيق الأهداف المرجوة. التعليم، الذي يعد المدخل الأساسي لحماية اللغة وضمان استمراريتها، يعاني من بطء شديد في تعميم الأمازيغية، حيث لم يتم بعد إدماجها بشكل حقيقي في مختلف المستويات الدراسية، كما أن المناهج والتكوينات لا تزال دون المستوى المطلوب. أما في الإدارة والقضاء، فلا تزال الأمازيغية غائبة عن العديد من المؤسسات، ما يعرقل حق المواطنين في التواصل بلغتهم الرسمية. وعلى مستوى الإعلام، لم يحقق بعد القفزة النوعية التي تضمن انتشار الأمازيغية وتوسيع نطاق استخدامها في الفضاء العام.

ورغم أن حزب الأصالة والمعاصرة كان من أبرز المنتقدين لصياغة القوانين التنظيمية التي قدمتها الحكومة السابقة، نظرًا لعدم استجابتها الكاملة لتطلعات الفاعلين السياسين المترافعين عن الملف وكذا الحركة الأمازيغية والمجتمع المدني، فإن المشكل اليوم لا يكمن فقط في نصوص القانون، بل في الإرادة السياسية المطلوبة لترجمتها إلى إجراء ات عملية حقيقية. الأمازيغية لا يمكن أن تبقى رهينة التراخي الإداري أو الحسابات السياسية الضيقة، بل يجب أن تكون مشروعًا وطنيًا يتجاوز الاعتراف الشكلي إلى سياسات عمومية واضحة، تستجيب لروح الدستور وتحقق العدالة اللغوية والثقافية.

إرساء الأمازيغية كلغة رسمية ليس خيارًا ظرفيًا، بل هو التزام ديمقراطي لا يقبل المماطلة، يتطلب شجاعة سياسية ورؤية واضحة تضع حدًا للممارسات التي جعلت من هذا الملف مجالًا للمساومة بدل أن يكون رافدًا أساسيًا في بناء نموذج تنموي عادل ومنصف للجميع.

حزب الأصالة والمعاصرة: الأمازيغية في صلب المشروع الديمقراطي
منذ تأسيسه، اتخذ حزب الأصالة والمعاصرة موقفًا واضحًا وثابتًا من الأمازيغية، ليس باعتبارها ملفًا قطاعيًا أو مطلبًا لفئة معينة، بل كقضية وطنية جوهرية ترتبط بمشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي. وإستنادا إلى كونه جاء بعد مخاض عسير في مسلسل الإنصاف والمصالحة وطي صفحة الماضي وتصحيح التجاوزات التي ميزت العهد السابق والتي كانت الأمازيغية أبرز ضحاياها كهوية وطنية تميز المغرب بين الأمم، فكان شعار تامغرابيت الذي رفعه عنوانا للمرحلة التي ينشدها، حيث يرى الحزب أن تعزيز الأمازيغية ليس فقط ضرورة لغوية، بل رافعة لتحقيق العدالة والمساواة وترسيخ أسس الديمقراطية التشاركية والأمة المغربية.

في وقت استغلت فيه بعض الجهات الأمازيغية كورقة ظرفية للمزايدات السياسية، اتخذ حزب الأصالة والمعاصرة نهجًا مسؤولًا في التعامل مع هذا الملف، متجنبًا الخطابات الشعبوية التي تختزل الأمازيغية في شعارات موسمية. على العكس من ذلك، جعل الحزب من ترسيخ الطابع الرسمي للأمازيغية أحد محاور مشروعه المجتمعي، ودفع في اتجاه تحويله إلى التزام سياسي واضح، تُترجم مضامينه عبر سياسات عمومية وبرامج عملية قابلة للتنفيذ.
لم يكن التزام حزب الأصالة والمعاصرة بملف الأمازيغية مجرد خطاب سياسي، بل تجسد في عمل مؤسساتي مستمر، سواء من خلال مرافعاته القوية في البرلمان عندما كان في المعارضة، أو اليوم من داخل الأغلبية الحكومية حيث يضطلع بمسؤولية مباشرة في تفعيل الالتزامات الدستورية المرتبطة بالأمازيغية. الحزب يدرك أن الانتقال من الترافع إلى التنفيذ يتطلب مضاعفة الجهود داخل الحكومة من أجل تحقيق تنزيل فعلي وعادل للأمازيغية في التعليم، القضاء، والإدارة، وفق رؤية واضحة وجدولة زمنية محددة.
فمن خلال موقعه داخل الحكومة، يساهم الحزب في الدفع نحو تسريع إدماج الأمازيغية في الإدارة، القضاء، والتعليم، ويسعى إلى تجاوز الطابع الرمزي نحو إجراءات عملية تعزز حضورها في الحياة اليومية للمغاربة. إن العمل من داخل المؤسسات يمنح الحزب إمكانية التأثير المباشر على القرارات الحكومية، وهو ما يستغله للدفاع عن الأمازيغية ليس فقط كمطلب ثقافي، بل كركيزة أساسية للعدالة اللغوية والمجالية.

ومع ذلك، يدرك حزب الأصالة والمعاصرة أن المسؤولية لا تتوقف عند كونه جزءًا من الحكومة، بل تقتضي استمرارية الترافع من داخل المؤسسات وخارجها لضمان التنفيذ الكامل للمقتضيات الدستورية الخاصة بالأمازيغية، وفق مقاربة قائمة على الالتزام والنجاعة، وليس فقط على الوعود والتدريج غير المبرر.
ولأن النضال من أجل الأمازيغية لا يمكن أن يظل محصورًا في المؤسسات الرسمية، أطلق الحزب دينامية داخلية لتعزيز مكانة الأمازيغية في صفوفه، حيث أسس اللجنة الأمازيغية المنبثقة عن المجلس الوطني، كإطار تنظيمي داخل الحزب يُعنى بمتابعة هذا الملف والترافع عنه. كما شكلت مبادرة “أكراو من أجل الأمازيغية” نموذجًا عمليًا يُجسد إرادة مناضلي الحزب في خلق تفاعل حقيقي بينهم وبين الفاعلين الأمازيغيين داخل المجتمع المدني، بما يسمح بإنتاج أفكار وحلول مبتكرة لتعزيز مسار الأمازيغية.

اليوم، مع استمرار العراقيل التي تعيق تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، يُدرك حزب الأصالة والمعاصرة أن مسؤولية الأحزاب السياسية لا تتوقف عند الدفاع عن القوانين، بل تمتد إلى ضمان تنفيذها بالشكل الصحيح، عبر سياسات واضحة تجعل من الأمازيغية لغة حقيقية للمؤسسات والتعليم والإدارة والإعلام. ولهذا، يواصل الحزب ترافعه لرفض المقاربات البيروقراطية التي تفرغ القوانين من محتواها، والتصدي لمحاولات تقزيم الأمازيغية في إجراء ات شكلية لا تؤثر على الواقع.

إن التزام حزب الأصالة والمعاصرة بالأمازيغية ليس مجرد موقف سياسي، بل رؤية استراتيجية تُجسد قناعته الراسخة بضرورة تحقيق الإنصاف اللغوي والثقافي كجزء من مسار بناء الأمة المغربية والمغرب الحديث والمتميز والممتد لآلاف السنين.
يتبع …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.