تامغارت… المرأة في صلب الهوية المغربية

كلما كتبت عن المرأة في المغرب شعرت أنني لا أكتب عن قضية اجتماعية فقط، بل عن الهوية نفسها. عن الأرض والانتماء وعن التاريخ في عمقه وعن الحاضر وهو يحمل آثار ذلك العمق أو يبتعد عنه. أكتب عن شيء أعرفه قبل أن أقرأه. أعرفه من البيت ومن الكلام اليومي ومن صورة الأم داخل العائلة ومن الطريقة التي ظل بها اسم المرأة حاضرا في حياتنا حتى حين حاول البعض إبعاده.

وأتوقف دائما عند اسم ليس عابرا في لغتنا: تامغارت. فهي تعني الكبيرة. ومذكرها أمغار، أي كبير القوم، وهو اللفظ الذي يطلق أيضا على من تسند إليه القيادة. وفي هذا وحده ما يكفي ليدل على أن المرأة في الوجدان الأمازيغي لم تكن اسما ثانويا، بل كانت مقرونة بالمقام والاعتبار. التسمية نفسها تقول ذلك قبل أي شرح طويل. كأن اللغة منحتها منذ البداية ما حاولت أوصاف وافدة أن تنزعه منها: المقام بدل الدونية والاعتبار بدل النقص. ولم تكن المرأة يوما زائدا على المعنى في هذا الوجدان، بل كانت من صلبه. إذا كان للقبيلة أمغار ففي كل بيت تامغارت.

قبل أن يقول التاريخ كلمته كانت الذاكرة الرمزية لهذه الأرض قد قالتها بطريقتها. وحين أرجع إلى الذاكرة الأقدم أجد أن صورة الأنثى العالية لم تكن غريبة عن هذه الأرض. في المجال الشمال إفريقي القديم حضرت تانيت رمزا للحماية والخصب وعلو مقام الأنثى. وفي الميثولوجيا القديمة تظهر غايا، الأرض الأم، في أصل القوة التي يستمد منها أنتي الأمازيغي طاقته كلما عاد إلى الأرض ولمسها. ذلك الجبار المرتبط في المتخيل القديم بأسطورة طنجة الأولى. قد يقال إن هذا من باب الرمز والأسطورة، وهذا صحيح. لكن حتى الرمز لا يأتي من فراغ. هو بدوره يكشف شيئا عن المخيال الذي خرج منه وعن صورة الأنثى فيه.

ثم نعبر من الرمز إلى التاريخ. ديهيا بقيت اسما من أسماء المقاومة في شمال إفريقيا. كنزة الأوربية حضرت في لحظة دقيقة من بدايات الدولة الإدريسية. زينب النفزاوية يصعب المرور على قيام الدولة المرابطية من غير التوقف عند أثرها. السيدة الحرة حكمت ودبرت وواجهت. وحين نصل إلى زمن الاستعمار لا يعود الحديث عن امرأة واحدة، بل عن نساء كثيرات في الريف والأطلس وكل ربوع المغرب كن جزءا من مجتمع المقاومة نفسه. في الإسناد وفي نقل المؤن والرسائل وفي التحريض وأحيانا في المواجهة المباشرة. هذا الامتداد الطويل هو الذي يجعل الحديث عن المرأة عندنا حديثا عن حضور راسخ، لا عن استثناء عابر.

الذي تغير، في نظري، هو نظرتنا نحن إلى أنفسنا. كلما ابتعدنا عن عمقنا الهوياتي دخلت علينا أفكار وتصورات لم تنبت في هذه التربة وحملت معها أحكاما غريبة عن المرأة. تسللت إلينا أيديولوجيات عابرة للحدود، سلفية وهابية وإخوانية، وفرضت صورة لا تشبه المغرب. صارت المرأة عندها موضع وصاية. وصار حضورها عبئا. وحتى اسمها نفسه صار يقال بتحفظ. ثم جاء هذا الخطاب ليمنّ عليها بالحياة ويخاطبها كما لو أنها كانت تنتظر من يخرجها من العدم. وهذا كلام لا ينتمي إلى التربة المغربية، لا في تاريخها، ولا في وجدانها، ولا في طريقتها القديمة في فهم المرأة.

يكفي أن نسمع كيف كان الناس يتكلمون وما زالوا في أحيان كثيرة يتكلمون. هذا ابن فلانة. هذه دار فلانة. هؤلاء أهل فلانة. لم يكن في هذا حرج. لم يكن أحد يشعر أن ذكر المرأة ينتقص من الرجل أو من الأسرة. كان الأمر عاديا جدا. ثم جاءت حساسية جديدة متوترة. صارت تستنكر ذكر المرأة وتعتبر الانتساب إليها نقصا وتتصرف كما لو أن الوقار يقتضي إخفاءها حتى في الكلام. وهذا، في تقديري، واحد من أوضح آثار الاغتراب عن أنفسنا.

فاللغة ليست مجرد ألفاظ. اللغة تكشف ما نؤمن به من غير أن نشعر. فإذا كانت المرأة حاضرة في التسمية وفي النسب الاجتماعي وفي تصور البيت فهذا يعني أنها كانت حاضرة أيضا في البنية الرمزية للمجتمع.

ولهذا لا أرى أن إنصاف المرأة في المغرب جاء فقط من ضغط حديث أو من خطاب حقوقي مستورد. عندنا في تاريخنا الاجتماعي ما يكفي. العرف الأمازيغي نفسه كان أقرب إلى المرأة في كثير من المواضع. لم يكن يقف معها بالكلام فقط، بل في القضايا التي يظهر فيها الظلم فعلا. في الطلاق الذي كان ينظر إليه أحيانا بوصفه قتلا معنويا للمرأة وفي التعنيف وفي ما تبنيه المرأة داخل الحياة الزوجية من جهد وعرق ووقت. ومن هنا ظل مبدأ الكد والسعاية حاضرا في النقاش المغربي لأنه ليس فكرة معلقة في الهواء، بل له جذور في هذا المجتمع. ولهذا لم يكن استحضار العرف الأمازيغي في النقاش حول مدونة الأسرة مجرد استدعاء للتراث، بل استحضارا لمورد قيمي وقانوني انحاز إلى المرأة حين ظهر الظلم فعلا.

ولهذا لم يفاجئني أن يكون ملف المرأة داخل حزب الأصالة والمعاصرة ملفا مركزيا. الحزب منذ بداياته ربط بين سؤال المرأة وسؤال الأمازيغية وسؤال الحداثة المغربية ولم يفصل هذه القضايا عن بعضها. وكان واضحا أن الأمر يتعلق بصورة المغرب عن نفسه وبالنوع من التحديث الذي يريده لنفسه.
وهذا لم يبق كلاما عاما. في 2016، حين قرر إلياس العماري أن يجعل لائحة الشباب نسائية، لم يكن الأمر مجرد حركة انتخابية عابرة. كانت هناك إشارة سياسية واضحة: حضور المرأة لا ينبغي أن يبقى محصورا في الحد الأدنى الذي يفرضه القانون. هذه الخطوة قالت شيئا مهما في وقتها وما زالت تقوله اليوم. من يؤمن فعلا بتمكين المرأة لا يتعامل معها بمنطق الحصة فقط.

واليوم في 2026 صار هذا التوجه ظاهرا داخل بنية الحزب نفسها. فالقيادة الجماعية تضم السيدات فاطمة الزهراء المنصوري وفاطمة سعدي مقابل رجل واحد. والمجلس الوطني تترأسه السيدة نجوى ككوس وزهور الوهابي نائبتها. وفي الحكومة أيضا ليلى بنعلي وأمل الفلاح السغروشني إلى جانب المنصوري. لهذا لا يبدو الكلام عن تمكين المرأة هنا مجرد شعار. هناك اختيارات تنظيمية وسياسية واضحة.

حين يكون الحزب قريبا من تامغرابيت بالمعنى الحي لا الشكلي فإنه لا يجد نفسه مضطرا إلى اختراع مبررات لتمكين المرأة. يكفيه أن يفهم المغرب كما هو، لا كما تريد بعض التصورات الوافدة أن تعيد تشكيله. المرأة في هذا البلد ليست استثناء. وليست ملحقا. ولم تأت متأخرة.

لهذا أعود إلى تامغارت.
أعود إليها لأن فيها شيئا ما زال صالحا لنا اليوم. شيئا يذكرنا بأن المرأة ليست هامشا في هذه البلاد ولم تكن كذلك في يوم من الأيام. لسنا نحن من اخترع مكانة المرأة ثم أضعناها بل هي مكانة كانت راسخة في لغتنا وفي مخيالنا وفي تاريخنا. ثم ابتعدنا نحن عنها، واحتجنا وقتا طويلا كي نفهم ما الذي ابتعدنا عنه.

رشيد بوهدوز
رئيس اللجنة الأمازيغية المنبثقة عن المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة

Scroll to Top

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط
benaddi_hassan_b027e48659
غشت 2008
تأسيس الحزب وانتخاب السيد حسن بنعدي أمينا عاما
biadiallahconfe_304286227
20-22 فبراير 2009
انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "السياسة بأخلاق أخرى"، وانتخاب السيد الشيخ بيد الله أمينا عاما
bakkouripam_438777855
17-19 فبراير 2012
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني، تحت شعار: "معاً . . لربح الرهانات"، وانتخاب السيد مصطفى بكوري أمينا عاما للحزب
https___cloudfront-eu-central-1.images.arcpublishing
22-24 يناير 2016:
انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، تحت شعار: "مغرب الجهات: انخراط واع ومسؤول"، وانتخاب السيد إلياس العمري أمينا عاما للحزب
benchamass
2018
انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب، وانتخاب السيد حكيم بنشماش أمينا عاما
ouhbi
7-9 فبراير 2020
انعقاد المؤتمر الوطني الرابع، تحت شعار: "المغرب للجميع"، وانتخاب السيد عبد اللطيف وهبي امينا عاما للحزب
Screenshot from 2026-02-15 17-33-10
19-20 ماي 2023
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة"، وانتخاب السيدة قلوب فيطح رئيسة للمنظمة
9yada jama3ya
9-11 فبراير 2024
انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، تحت شعار: "تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية"، واختيار صيغة القيادة الجماعية لأول مرة في المغرب
liberalinternational
دجنبر 2024
الانضمام إلى منظمة الليبرالية العالمية
salahabkari
26-27 شتنبر 2025
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "شبابٌ يقُودُ، أملٌ يعُودُ"، وانتخاب السيد صلاح الدين عبقري رئيسا للمنظمة