في وقت أصبحت فيه القدرة الشرائية واحدة من أكثر القضايا التصاقا بالحياة اليومية للأسر المغربية، يضع حزب الأصالة والمعاصرة هذا الملف في صدارة برنامجه الانتخابي للاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، من خلال “ميثاق القدرة الشرائية”، باعتباره أحد المواثيق الخمسة التي يقوم عليها عرضه السياسي للمرحلة المقبلة.
ويقدم الحزب هذا الميثاق انطلاقا من تشخيص يعتبر أن تدهور الوضع المعيشي لا يرتبط فقط بمستوى الدخل، وإنما كذلك بالاختلالات التي تعرفها السوق وسلاسل التسويق، وما يصفه بارتفاع مفتعل للأسعار نتيجة اختلال التوازن بين العرض والطلب وتدخلات تؤثر في مسارات وصول المنتجات إلى المستهلك.
ومن هذا المنطلق، لا يقترح الحزب معالجة القدرة الشرائية من زاوية واحدة، بل يبني مقاربته على واجهتين متلازمتين، تحسين دخل المواطن من جهة، وإعادة تنظيم السوق وسلسلة التسويق وضبط الاختلالات من جهة أخرى.
وهي مقاربة تنطلق من فكرة أساسية مفادها أن تحسين الدخل يفقد جزءا من أثره إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، كما أن خفض الأسعار لا يمكن أن يشكل حلا مستداما إذا لم يترافق مع تحسين مستوى دخل الأسر.
من ارتفاع الأسعار إلى سؤال تنظيم السوق
يضع ميثاق القدرة الشرائية مسألة تنظيم السوق في قلب النقاش، معتبرا أن حماية المواطن لا تعني التضييق على حرية المبادرة أو المنافسة، وإنما ضمان اشتغال السوق وفق قواعد واضحة تمنع الاحتكار وافتعال الندرة والتحكم غير المنضبط في مسارات التسويق.
وتنسجم هذه الرؤية مع الفلسفة العامة للبرنامج الانتخابي للحزب، الذي يقر بوجود مفارقة بين التطور الذي يعرفه المغرب على مستوى البنيات التحتية والقدرات الصناعية والطاقية ومكانته الاقتصادية، وبين استمرار شعور شريحة من المواطنين بأن أثر هذا التقدم لا ينعكس بالقدر الكافي على حياتهم اليومية.
وهنا يضع الحزب القدرة الشرائية في موقع يتجاوز مجرد ملف اقتصادي، لتصبح، وفق تصوره، جزءا من مفهوم أوسع للعدالة الاجتماعية والعيش الكريم، ومن صميم مسؤولية الدولة في حماية المواطن وضمان شروط المنافسة والإنصاف داخل السوق.

خمسة التزامات تتجه مباشرة إلى جيب المواطن
ولتجسيد هذه المقاربة، يترجم الحزب ميثاق القدرة الشرائية إلى خمسة التزامات محددة، تستهدف بشكل مباشر عددا من النفقات والمداخيل التي تؤثر في ميزانية الأسر.
أول هذه الالتزامات هو إعادة أسعار المواد الأساسية إلى مستوياتها الطبيعية، من خلال معالجة الاختلالات التي يعتبر الحزب أنها تؤثر في الأسعار، وإعادة تنظيم سلسلة التسويق بما يحد من الهوامش غير المبررة ويقوي شفافية السوق.
أما الالتزام الثاني، فيتعلق بمجانية فاتورة الكهرباء إلى حدود 100 درهم شهريا، وهو مقترح يستهدف تخفيف أحد الأعباء المنتظمة التي تتحملها الأسر، خصوصا في ظل ارتفاع كلفة المعيشة وتعدد النفقات الأساسية.
ويضع الحزب ضمن ميثاقه كذلك تخفيض الضريبة على الأجر، باعتباره إجراء يهدف إلى تعزيز الإنصاف وتحسين الدخل الصافي للأجراء، بما يجعل جزءا أكبر من الأجر متاحا للاستهلاك والادخار وتلبية الحاجيات اليومية.
وفي الجانب المتعلق بالمعاشات، يقترح الحزب التزاما يقضي بألا يقل المعاش عن 3.000 درهم، واضعا بذلك مستوى دخل المتقاعدين ضمن النقاش المرتبط بالحماية الاجتماعية والعيش الكريم.
ويكتمل هذا التصور بالتزام خامس يقضي بتحديد حد أدنى قدره 1.000 درهم من الدعم الاجتماعي المباشر، بما يربط بين منظومة الدعم الاجتماعي وتحسين القدرة الفعلية للأسر على مواجهة تكاليف الحياة.
القدرة الشرائية ليست دخلا فقط
ما يميز التصور الذي يقدمه الحزب في هذا الميثاق هو محاولة الانتقال من المقاربة التي تختزل القدرة الشرائية في رفع الأجور أو تقديم الدعم، إلى مقاربة تعتبر أن حماية دخل الأسرة تتطلب أيضا التدخل في البيئة التي تتشكل داخلها الأسعار.
فالمواطن، وفق هذا المنظور، لا يحتاج فقط إلى دخل أعلى، وإنما إلى سوق أكثر شفافية، ومنافسة أكثر فعالية، وسلسلة تسويق أقل كلفة واختلالا، لذلك يربط الحزب بين تحسين المداخيل وإعادة تنظيم السوق، باعتبارهما مسارين متكاملين لا يمكن الفصل بينهما.
وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة بالنظر إلى أن ارتفاع الأسعار يمكن أن يمتص جزءا كبيرا من أثر أي زيادة في الأجور أو الدعم، وهو ما يجعل التحكم في العوامل المؤثرة في الأسعار جزءا أساسيا من أي سياسة تستهدف تحسين مستوى معيشة الأسر.

من الدولة الاجتماعية إلى “الدولة الحامية للقدرة الشرائية”
ويضع حزب الأصالة والمعاصرة ميثاق القدرة الشرائية ضمن تصور أشمل لتجديد مضمون الدولة الاجتماعية، فالبرنامج الانتخابي، كما يقدمه الحزب، لا يحصر الدولة الاجتماعية في التغطية الصحية والدعم الاجتماعي، وإنما يربطها أيضا بضمان شروط العيش الكريم والولوج إلى الخدمات الأساسية وتوفير فرص الشغل وحماية القدرة الشرائية.
وفي هذا الإطار، يعترف الحزب بالمكتسبات التي تحققت خلال الولاية الحكومية، من بينها تعميم التأمين الإجباري عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر، ودعم السكن، ورفع الأجور والاستثمار في البنيات التحتية، لكنه يسجل في المقابل أن هذه الإجراءات لم تكن كافية، في تقديره، لمعالجة الضغط الذي تمارسه الأسعار على ميزانية الأسر.
ومن هنا تأتي دعوته إلى تغيير المسار عبر سياسات أكثر تركيزا على النتائج، وربط الالتزامات بآليات للتنفيذ والتمويل، وهي إحدى الأفكار المركزية التي يقوم عليها البرنامج الانتخابي المعلن في فاتح شتنبر 2026.
ميثاق القدرة الشرائية ضمن رؤية متكاملة
ولا يقدم الحزب القدرة الشرائية كملف منفصل عن باقي السياسات العمومية، بل يضعها ضمن منظومة تضم أيضا إدماج الشباب، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز الأمن الاستراتيجي للمغرب في مجالات الماء والطاقة والغذاء والتكنولوجيا، إلى جانب دعم النمو الاقتصادي المستدام.
فخلق الثروة وفرص الشغل، وفق منطق البرنامج، يظل شرطا أساسيا لتمويل واستدامة الالتزامات الاجتماعية، فيما تظل حماية القدرة الشرائية ضرورية حتى يشعر المواطن بأثر النمو الاقتصادي في حياته اليومية.
وبذلك يحاول ميثاق القدرة الشرائية نقل النقاش من سؤال “كيف نرفع دخل المواطن” إلى سؤال أوسع “كيف نرفع دخله، ونخفض كلفة عيشه، ونضمن في الوقت نفسه سوقا أكثر عدلا وشفافية”.
وهي معادلة تجعل جوهر الميثاق مرتبطا بثلاثة محاور متكاملة، دخل أفضل، أسعار أكثر إنصافا، وسوق أكثر تنظيما، أما ترجمة هذه الالتزامات إلى نتائج فعلية، فتبقى مرتبطة بقدرة السياسات العمومية المقبلة على توفير التمويل وآليات التنفيذ والرقابة والقياس، وهي عناصر يضعها الحزب ضمن فلسفة برنامجه الانتخابي القائم على الانتقال من التشخيص إلى الفعل ومن الالتزام إلى النتيجة.


تحرير: سارة الرمشي / تصوير: ياسين الزهراوي