في ظل التحولات التي يعرفها المشهد السياسي المغربي، أصبحت مسألة تجديد النخب السياسية وتعزيز حضور النساء والشباب في مراكز القرار من أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب السياسية. فالمجتمع المغربي يشهد دينامية متسارعة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ما يفرض على الفاعلين السياسيين البحث عن صيغ جديدة للعمل السياسي تقوم على الانفتاح على الكفاءات الشابة والطاقات النسائية القادرة على مواكبة هذه التحولات. وفي هذا السياق، يبرز حزب الأصالة والمعاصرة كأحد الفاعلين السياسيين الذين راهنوا منذ نشأتهم على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، من خلال الانفتاح على الكفاءات الشابة والنسائية وإتاحة الفرصة أمامها للمشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام. فقد أدرك الحزب مبكرًا أن مستقبل العمل السياسي في المغرب لا يمكن أن يبنى فقط على النخب التقليدية، بل يحتاج إلى إشراك فئات واسعة من المجتمع، وفي مقدمتها الشباب والنساء، باعتبارهم قوة اقتراحية قادرة على الإسهام في بلورة رؤى جديدة لمواجهة التحديات التنموية.
هذا التوجه لم يبق مجرد شعار سياسي أو خطاب ظرفي، بل تجسد في بروز عدد من الوجوه السياسية التي استطاعت أن تفرض حضورها في المشهد العام، مقدمة نموذجًا على قدرة الكفاءات النسائية والشبابية على تحمل المسؤولية والمساهمة في تدبير الشأن العام.
ومن بين أبرز هذه النماذج تبرز تجربة فاطمة الزهراء المنصوري، التي استطاعت أن تشق طريقها بثبات في العمل السياسي، لتصبح واحدة من أبرز القيادات النسائية في المغرب. فقد شكل حضورها في تدبير الشأن المحلي، ثم في المسؤولية الحكومية، دليلًا على أن تمكين المرأة في الحياة السياسية ليس مجرد مطلب نظري، بل خيار عملي يمكن أن يثمر قيادات قادرة على الإسهام في التنمية وصنع القرار.
وفي السياق نفسه، يقدم المسار السياسي لـمهدي بنسعيد مثالا واضحا على الرهان الذي يضعه الحزب على الطاقات الشابة. فقد برز كأحد الوجوه السياسية الشابة التي استطاعت أن تفرض حضورها في الساحة السياسية الوطنية، وأن تشارك في تحمل المسؤولية الحكومية، وهو ما يعكس توجهًا يروم إعطاء الفرصة لجيل جديد من الفاعلين السياسيين القادرين على فهم تحولات المجتمع والتفاعل مع تطلعات الشباب.
ولا تقتصر هذه الدينامية على هذين النموذجين فقط، إذ يضم الحزب أيضا العديد من الكفاءات والوجوه السياسية البارزة من النساء والشباب الذين يساهمون في تأطير العمل الحزبي وتقوية حضوره داخل المؤسسات المنتخبة، سواء على المستوى المحلي أو الجهوي أو الوطني. وهو ما يعكس إرادة واضحة في بناء نخب سياسية جديدة قادرة على تجديد الخطاب السياسي وإغناء النقاش العمومي بأفكار ومقاربات حديثة.
إن حضور مثل هذه النماذج داخل الحزب يعكس تحولًا مهمًا في الثقافة السياسية، حيث لم يعد الانتماء الحزبي مرتبطًا فقط بالتجربة الطويلة أو المسار التقليدي في العمل السياسي، بل أصبح قائما أيضًا على الكفاءة وروح المبادرة والقدرة على الانخراط في قضايا المجتمع. وهذا ما يمنح العمل الحزبي دينامية جديدة ويقربه أكثر من انتظارات المواطنين، خصوصًا في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجتمع المغربي.
ولا شك أن تشجيع مشاركة النساء والشباب في الحياة السياسية يشكل رافعة أساسية لتعزيز الديمقراطية وتوسيع قاعدة المشاركة في تدبير الشأن العام. فكلما اتسعت دائرة المشاركة السياسية، ازدادت فرص إنتاج أفكار جديدة ومقاربات مبتكرة لمعالجة القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تهم المواطنين.
ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية المشاركة الفعالة للشباب والنساء في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، ليس فقط باعتبارهم ناخبين، بل أيضًا كفاعلين سياسيين مرشحين ومنخرطين في العمل الحزبي والمؤسساتي. فالتغيير الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال انخراط واسع لهذه الفئات في العملية السياسية، بما يعزز تمثيليتها داخل المؤسسات ويساهم في تجديد النخب السياسية.
وفي هذا الإطار، تبدو تجربة حزب الأصالة والمعاصرة في دعم حضور النساء والشباب تجربة تستحق التوقف عندها، ليس فقط باعتبارها خيارًا تنظيميًا داخل حزب معين، بل بوصفها جزءًا من دينامية أوسع يعرفها المغرب في اتجاه تحديث العمل السياسي وتجديد نُخَبه. فالمجتمعات التي تمنح الفرصة لطاقاتها الشابة وكفاءاتها النسائية هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.
إن الرهان الحقيقي اليوم لم يعد يقتصر على فتح أبواب السياسة أمام النساء والشباب، بل يتجاوز ذلك نحو تمكينهم الفعلي من المساهمة في صناعة القرار والمشاركة في صياغة السياسات العمومية. وبروز قيادات شابة ونسائية داخل حزب الأصالة والمعاصرة يشكل مؤشرًا على أن تجديد النخب السياسية في المغرب لم يعد مجرد شعار، بل مسارًا يتبلور تدريجيًا في الواقع السياسي.
بقلم د. نوال اليتيم
عضو المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة