في سياق النقاش العمومي المتجدد حول سبل تطوير المنظومة الانتخابية بالمغرب، أكدت سميرة صالح بناني نائب رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة، خلال مداخلة لها ضمن ندوة تخليد اليوم العالمي للمرأة بجهة فاس- مكناس، أن القوانين الانتخابية تشكل إحدى الركائز الأساسية لبناء نظام ديمقراطي متوازن، لما تضطلع به من دور محوري في تنظيم التنافس السياسي وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين.
وأوضحت بناني أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على تأطير العمليات الانتخابية من الناحية القانونية، بل يتجاوز ذلك ليشمل جعل الانتخابات مدخلا فعليا لتجديد النخب وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة، في ظل استمرار مجموعة من التحديات البنيوية، من أبرزها ضعف المشاركة السياسية، وإشكالات التقطيع الانتخابي، وهيمنة منطق التزكيات الحزبية، إلى جانب تفشي بعض مظاهر الفساد الانتخابي.
وفي هذا الإطار، أبرزت صالح بناني أن الإصلاح الانتخابي ينبغي أن يفهم باعتباره مسارا متكاملا يجمع بين أبعاد قانونية وسياسية واجتماعية، حيث يهم البعد القانوني مراجعة النصوص التنظيمية المؤطرة للانتخابات، فيما يرتبط البعد السياسي بضمان عدالة التمثيل وتحفيز المشاركة الشعبية، بينما يتجلى البعد الاجتماعي في توسيع دائرة المشاركة لتشمل النساء والشباب والكفاءات.
وسجلت المتدخلة أن التجربة المغربية راكمت، منذ دستور 1962، مجموعة من الإصلاحات الانتخابية، غير أن هذه الإصلاحات ظلت في كثير من الأحيان رهينة اعتبارات ظرفية مرتبطة بتدبير التوازنات السياسية، أكثر من كونها جزءا من رؤية استراتيجية شاملة، مضيفة أن دستور 2011 شكل محطة مفصلية، حيث أقر مبادئ الديمقراطية التشاركية وفصل السلط، ما يجعل تطوير المنظومة الانتخابية شرطا أساسيا لتفعيل هذه المقتضيات الدستورية.
وفي معرض حديثها عن التقطيع الانتخابي، أشارت نائب رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة إلى أن هذا الأخير يفترض فيه تحقيق الإنصاف بين الأصوات وضمان تكافؤ الفرص، غير أن الواقع يكشف عن اختلالات تؤثر على مبدأ العدالة التمثيلية، متوقفة عند إشكالية التزكيات الحزبية، باعتبارها بوابة أساسية للترشح، مبرزة ما يعتريها من نقائص.
وشددت على أهمية الرقمنة كمدخل حديث لإصلاح الأنظمة الانتخابية، معتبرة أن اعتماد التصويت الإلكتروني، خاصة لفائدة مغاربة العالم، وإحداث منصات رقمية موحدة لتسجيل الناخبين وتتبع الحملات الانتخابية، من شأنه أن يعزز الشفافية ويحد من الخروقات التقليدية، إلى جانب تمكين المواطنين من تتبع النتائج بشكل فوري.
وبخصوص المشاركة السياسية، أكدت صالح بناني أن ضعف الإقبال على الانتخابات يظل من أبرز التحديات، حيث لم تتجاوز نسب المشاركة مستويات متوسطة خلال الاستحقاقات السابقة، وهو ما يعكس أزمة ثقة حقيقية تعود إلى عدة عوامل، من بينها ضعف أداء الأحزاب، وغياب أثر ملموس للبرامج الانتخابية، واستمرار الفساد والزبونية، فضلا عن محدودية الثقافة السياسية لدى فئات واسعة من المواطنين، خاصة الشباب.
وفي ما يتعلق بتخليق الحياة السياسية، أبرزت نائب رئيسة منظمة نساء الأصالة والمعاصرة أن المشرع المغربي أقر مجموعة من المقتضيات القانونية الرامية إلى محاربة الفساد الانتخابي، من قبيل تجريم استعمال المال لشراء الأصوات، وإمكانية إلغاء نتائج الانتخابات في حالة ثبوت الخروقات، إلى جانب تشديد المراقبة على الحملات الانتخابية، مستعرضة الفئات الممنوعة من الترشح، ومن ضمنها الأشخاص المدانون في جرائم انتخابية أو الصادرة في حقهم أحكام قضائية تمس بالأهلية الانتخابية، في إطار تعزيز نزاهة العملية الانتخابية.
وفي محور تمثيلية النساء والشباب، توقفت صالح بناني عند تجربة نظام “الكوطا”، التي ساهمت في رفع نسبة حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة، خاصة منذ اعتماد اللائحة الوطنية سنة 2003، وتكريس مبدأ المناصفة في دستور 2011، قبل أن يتم تطوير الآلية عبر اللوائح الجهوية. كما تطرقت إلى الكوطا الشبابية التي اعتمدت سنة 2011 ثم ألغيت لاحقا، معتبرة أن هذه الآليات، رغم أهميتها، لا تزال تواجه تحديات مرتبطة بضعف التأثير الفعلي في صناعة القرار.
وختمت مداخلتها بالتأكيد على أن إصلاح المنظومة الانتخابية يظل رهانا استراتيجيا يتطلب إرادة سياسية قوية، ومقاربة شمولية قادرة على الربط بين تحديث القوانين وتطوير الممارسة، بما يعزز ثقة المواطن ويؤسس لحياة سياسية قائمة على الشفافية والمساءلة.
إبراهيم الصبار
