دعا وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين مداوي، إلى مراجعة المنظومة القانونية والتنظيمية المؤطرة للجامعات المغربية، بما يمنحها هامشا أوسع لتدبير شؤونها وتعبئة موارد مالية إضافية، في ظل التحولات التي يعرفها التعليم العالي وتزايد الضغط على المؤسسات الجامعية، سواء من حيث أعداد الطلبة أو متطلبات تطوير البحث العلمي والابتكار.
واعتبر الوزير، خلال جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس المستشارين، أن الارتقاء بأداء الجامعة المغربية يقتضي تجاوز محدودية الإطار الحالي، واعتماد قواعد تنظيمية وحكامة أكثر ملاءمة لحجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها، مشيرا إلى أن بعض المؤسسات تواجه تحديات كبيرة بفعل الأعداد المرتفعة للطلبة المسجلين بها.
واستشهد، في هذا السياق، بجامعة ابن زهر بأكادير، التي يتراوح عدد طلبتها، بحسب المعطيات التي قدمها، بين 160 ألفا و170 ألف طالب، وهو ما يعكس حجم التحديات المرتبطة بتدبير المؤسسات الجامعية الكبرى.
ولا يقتصر الإصلاح، وفق هذا التصور، على إعادة النظر في القوانين المنظمة للجامعات، بل يشمل أيضا توسيع قاعدة الشركاء المسهمين في تطوير منظومة التربية والتكوين والتعليم العالي والابتكار، عبر إشراك المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والجماعات الترابية، إلى جانب تعزيز دور القطاع الخاص في دعم البحث العلمي وتمويل المشاريع الابتكارية.
وفي هذا الإطار، استحضر المداوي تجارب دولية تبرز حجم انخراط الاقتصاد والصناعة في تمويل البحث العلمي، مستعرضا أرقاما تتعلق بالصين والولايات المتحدة وفرنسا، مشيرا إلى أن الصين تخصص، وفق المعطيات التي عرضها، نحو 3500 مليار دولار للبحث العلمي والابتكار، مع إسهام يتجاوز 70 في المائة للقطاعين الاقتصادي والصناعي، بينما يقترب الإنفاق السنوي للولايات المتحدة من ألف مليار دولار، بإسهام يفوق 80 في المائة من نسيجها الاقتصادي والصناعي، كما لفت إلى ارتفاع الإنفاق على البحث العلمي في فرنسا إلى 62 مليار أورو، بإسهام من القطاع الاقتصادي يتجاوز 40 في المائة.
وتعكس هذه النماذج، بحسب الطرح الذي قدمه الوزير، أهمية بناء علاقة أكثر تكاملا بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي، بما يسمح بتعبئة موارد إضافية وتوجيه البحث العلمي نحو حاجيات التنمية، بدل حصر تمويله في الميزانيات العمومية وحدها.
وعلى مستوى التدابير العملية، كشف الوزير عن توجه يروم توسيع الشراكات مع الجهات والجماعات الترابية والفاعلين في النسيج السوسيو اقتصادي، بالتوازي مع الاستفادة من برامج التعاون الدولي، موضحا أن القانون رقم 59.24 يتضمن مقتضيات تسمح بتنويع مصادر تمويل البحث العلمي والابتكار، إلى جانب اقتراح إحداث وكالة متخصصة في تمويل البحث والابتكار، في إطار الاستراتيجية الوطنية المعنية بهذا المجال.
كما أشار إلى تخصيص غلاف مالي بقيمة مليار درهم لأحد برامج دعم البحث العلمي على مدى سنتين، مع التوجه نحو تمديده لسنتين إضافيتين، فضلا عن إطلاق برنامج آخر يستهدف المختبرات والأبحاث المرتبطة بالأولويات الوطنية والإفريقية، ويروم هذا التوجه تعزيز التعاون العلمي داخل القارة الإفريقية، وتثمين الكفاءات البشرية والإمكانات البحثية التي تزخر بها بلدانها.
وتضع هذه التوجهات إصلاح الجامعة أمام رهانات متداخلة، تتجاوز تحديث النصوص القانونية إلى إرساء حكامة أكثر فعالية، وتوسيع الاستقلالية في تدبير الموارد، وبناء شراكات مستدامة مع المحيط الاقتصادي والاجتماعي، كما تبرز الحاجة إلى إخضاع الإصلاحات المعتمدة لتقييم يستند إلى نتائجها الملموسة، ومدى انعكاسها على جودة التعليم العالي وقدرة الجامعات المغربية على إنتاج المعرفة وتطوير الابتكار.
سارة الرمشي