قدم وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، اليوم الأربعاء 26 نونبر 2025، أمام لجنة العدل والتشريع بمجلس المستشارين، مشروع الميزانية الفرعية لقطاع العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2026، مستعرضا حصيلة سنة 2025، ومقدما رؤية شاملة للمرحلة المقبلة التي توصف بـ”المفصلية” في مسار إصلاح منظومة العدالة بالمغرب.
إصلاح العدالة ورش وطني برؤية ملكية واضحة
استهل الوزير كلمته بالتأكيد على أن ورش إصلاح العدالة “مشروع وطني بامتياز” يستمد قوته من التوجيهات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، ومن الدستور والبرنامج الحكومي 2021-2026.
وشدد على أن هذا الورش يفرض تعبئة جماعية وانخراطا مسؤولا من كل الفاعلين المؤسساتيين والمجتمعيين، لبناء عدالة مواطِنة قريبة من المواطن، فعالة ومنصفة، تضمن كرامة العاملين بها وتسهم في ترسيخ دولة الحق والمؤسسات.
وأوضح السيد وهبي أن الوزارة، منذ 2021، قادت إصلاحا عميقا وممنهجا بتنسيق وثيق مع المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، من أجل الارتقاء بالعدالة وتجويد خدماتها وضمان حقوق الأفراد والمؤسسات.

تطوير الإطار القانوني: ترسانة جديدة لبناء عدالة عصرية
قدم الوزير حصيلة تشريعية غنية لسنة 2025، أبرزها إخراج قانون العقوبات البديلة إلى حيز التنفيذ مع إعداد مراسيمه التطبيقية؛ وتقدم كبير في مشاريع قوانين استراتيجية، مثل التنظيم القضائي ومكافحة غسل الأموال ومراجعة القانون الجنائي ومراجعة المسطرة المدنية وتعديل المسطرة الجنائية.
وأكد السيد وهبي أن هذه الإصلاحات القانونية تشكل حجر الزاوية لبناء عدالة حديثة ومنصفة، وتعزز مناخ الثقة وجلب الاستثمارات ومكانة المغرب إقليميا ودوليا.
التحول الرقمي: من تحسين إداري إلى ثورة مؤسساتية
اعتبر الوزير أن الرقمنة لم تعد مجرد تحديث تقني، بل أصبحت تحولا عميقا يجعل العدالة خدمة عمومية قريبة من المواطن، ويعزز الشفافية والنزاهة والنجاعة.
وقد حققت الوزارة خلال 2025 تقدما ملموسا عبر تطوير الأنظمة المعلوماتية داخل المحاكم؛ وتفعيل التبادل الإلكتروني للمعطيات؛ وإطلاق منصات رقمية لفائدة المحامين والمفوضين القضائيين والخبراء والعدول؛ وكذا رقمنة خدمات كالسجل العدلي الإلكتروني وطلبات الجنسية عن بعد والأداء الإلكتروني للغرامات القضائية.
وتستعد الوزارة خلال 2026 لإطلاق منصات جديدة لرقمنة المساطر القضائية، وتطوير خدمات الولوج عن بعد، واقتناء تجهيزات تقنية متقدمة لتعزيز فعالية الأداء القضائي.

تأهيل البنية التحتية للعدالة: مشاريع ضخمة قيد الإنجاز
في إطار تحسين ظروف ولوج المواطنين إلى العدالة، تواصل الوزارة تنفيذ مجموعة من المشاريع الكبرى، من بينها بناء وتوسيع وتأهيل عدد من المحاكم وقضاء الأسرة، مشاريع ضخمة قيد الإنجاز مثل قصور العدالة في فاس وإنزكان وتارودانت وطنجة بكلفة تفوق 126 مليون درهم؛ والارتقاء بفضاءات العمل القضائي وتحديث الأرشفة وحفظ الذاكرة القضائية، بالإضافة إلى الاستمرار في تنزيل الطابع الرسمي للغة الأمازيغية بالمؤسسات القضائية.
العنصر البشري: رهان أساسي لنجاح الإصلاح
شدد الوزير على أن الاستثمار في العنصر البشري هو الضامن الحقيقي لنجاح أي إصلاح؛ معلنا اعتماد سياسة تدبيرية توقعية للموارد البشرية، وتعيين أعداد مهمة من الموظفين الجدد في تخصصات نوعية، وتنظيم مباريات وفق الاحتياجات الفعلية، وكذا تعزيز التكوين المستمر، خصوصا في المجال الرقمي، بالإضافة إلى إشراك الفاعلين في صياغة وتنفيذ الإصلاحات.
وسيشمل برنامج 2026 للتكوين، 1824 قاضيا وقاضية في التكوين المتخصص والمستمر؛ 475 موظفا وموظفة في تكوينات إدارية وتقنية.
خارطة الطريق الجديدة 2025-2030
أعلن الوزير عن إعداد خارطة طريق جديدة تمتد إلى سنة 2030، وتهدف إلى تطوير الوضعية المهنية والاجتماعية للعاملين بقطاع العدل، واستكمال ورش تحديث المنظومة القانونية، وتقوية الحكامة والشفافية، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة.

المجلس الأعلى للسلطة القضائية: سنة 2026 محطة مفصلية
وبخصوص ميزانية المجلس، أوضح الوزير أن سنة 2026 تمثل نهاية المخطط الاستراتيجي 2021-2026، وبداية الإعداد للمخطط الجديد 2027-2032.
ويتضمن برنامج السنة المقبلة إخراج النص المنظم لقضاة الاتصال، ومواكبة تطبيق قانون العقوبات البديلة، وتطوير برمجيات لتحرير الأحكام إلكترونيا، وإعداد نماذج لتوزين القضايا الزجرية لتعزيز النجاعة، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات والدبلوماسية القضائية.
حكامة مالية صارمة ودينامية كبيرة في التعاون الدولي
أكد الوزير أن إعداد مشروع ميزانية 2026 تم في سياق اقتصادي دولي ضاغط، لكن الوزارة اعتمدت برمجة مالية ثلاثية (2026-2028)، وبلغت اعتمادات النفقات 490 مليون درهم.
كما شهد التعاون الدولي دينامية قوية خلال 2025 عبر تعزيز الشراكات القضائية مع الدول الإفريقية والعربية والصديقة، مما أعطى إشعاعا أكبر للعدالة المغربية خارجيا.
واختتم الوزير عرضه بالتأكيد على أن سنة 2026 ستكون سنة استكمال عدد من المشاريع التشريعية والرقمية والبنيوية، وأن الوزارة ستواصل التعبئة الشاملة لتحقيق إصلاح شامل يرسخ مكانة العدالة كركيزة لدولة الحق والقانون.




تغطية: سارة الرمشي وياسين الزهراوي