أكد وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، أن العدالة التصالحية تشكل تحولا نوعيا في الفكر القانوني الحديث، حيث تقوم على تجاوز منطق العقاب التقليدي نحو مقاربة إصلاحية ترتكز على جبر الضرر وإشراك الضحية في مسار العدالة، غير أن هذا الورش، ورغم ما حظي به من تأطير تشريعي متقدم، لا يزال يواجه إكراهات حقيقية على مستوى التطبيق داخل المنظومة القضائية.
وأوضح الوزير، في معرض جوابه عن سؤال كتابي تقدم به النائب البرلماني أحمد التويزي، أن المسطرة الجنائية الجديدة، التي دخلت حيز التنفيذ قبل شهرين، حملت مستجدات مهمة تروم تعزيز هذا التوجه، من خلال توسيع مجال اللجوء إلى الصلح وتبسيط إجراءاته.
ومع ذلك، يظل تفعيل هذه الآلية على أرض الواقع محدودا، ما يعكس وجود فجوة قائمة بين النص القانوني والممارسة القضائية.
وسجل السيد وهبي أن العدالة التصالحية من شأنها الإسهام بشكل فعال في الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، والتخفيف من الضغط على المحاكم، فضلا عن دورها في تعزيز السلم الاجتماعي وترسيخ قيم التسامح والمسؤولية، باعتبارها تركز على إعادة التوازن للعلاقات الاجتماعية بدل الاقتصار على العقوبات الزجرية.
وعلى الصعيد التشريعي، أبرز الوزير أن وزارة العدل عملت على تطوير آلية الصلح من خلال تعديل قانون المسطرة الجنائية، خاصة عبر المادتين 41 و1-41، بما يتيح توسيع دائرة الجرائم القابلة للصلح لتشمل جنحا إضافية، وتمكين النيابة العامة من اقتراح الصلح أو الدعوة إليه، إلى جانب إقرار إمكانية إبرامه أمام قاضي التحقيق.
كما تم تبسيط المساطر عبر الاستغناء عن المصادقة القضائية على الصلح، واعتماده كآلية لإنهاء الدعوى العمومية أو تنفيذ العقوبات، مع إمكانية توقيف تنفيذ العقوبات السالبة للحرية في حال التنازل وأداء الغرامات.
ورغم هذا التقدم التشريعي، شدد المسؤول الحكومي على أن التحدي الحقيقي يكمن في مستوى التفعيل، مؤكدا أن نجاح العدالة التصالحية يظل رهينا بانخراط فعلي لمختلف الفاعلين في منظومة العدالة، من قضاة ومحامين ومرتفقين، بما يعكس أن الإشكال لا يرتبط فقط بالنصوص، بل أيضا بثقافة الممارسة وآليات الاشتغال داخل المحاكم.
وفي السياق ذاته، أشار الوزير إلى أن مشروع مراجعة مجموعة القانون الجنائي يتضمن مقتضيات جديدة تعزز حضور الصلح، من بينها إمكانية وقف الدعوى العمومية بناء على الصلح أو التنازل، حتى في بعض الجرائم المرتبطة بالأمن والنظام العام، وفي مختلف مراحلها.
كما سجل أن تعديل مدونة التجارة عزز بدوره هذا التوجه، خاصة في قضايا الشيك، حيث أصبح الأداء أو التنازل عن الشكاية يؤدي إلى عدم تحريك الدعوى أو سقوطها، بل ويمكن أن ينهي آثار الأحكام النهائية إذا تم بعد صدورها.
وختم وزير العدل بالتأكيد على أن ترسيخ العدالة التصالحية كخيار استراتيجي يشكل رافعة أساسية لإصلاح السياسة الجنائية، من خلال تحقيق توازن عادل بين حقوق المجتمع والضحايا، ومنح الجناة فرصة للإصلاح، إلى جانب تخفيف العبء على القضاء والمؤسسات السجنية.
سارة الرمشي