ثمانية عشر عاما من عمر حزب الأصالة والمعاصرة ليست مجرد مناسبة للاحتفال بذكرى التأسيس، بل هي محطة للتأمل في تجربة سياسية اختارت، منذ بدايتها، أن تفتح المجال أمام الطاقات والكفاءات، وأن تجعل من تجديد النخب مدخلا أساسيا لبناء ممارسة سياسية أكثر انفتاحا.
وفي قلب هذه التجربة، حضرت المرأة بقوة.
فالحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة هو أيضا حديث عن تجربة جعلت من التمكين السياسي للنساء جزءا من مسارها التنظيمي والسياسي، من خلال فتح الأبواب أمامهن للمشاركة، وتحمل المسؤولية، والتدرج داخل هياكل الحزب، وصولا إلى مواقع متقدمة في صناعة القرار.
الأهمية هنا لا تكمن فقط في عدد النساء اللواتي حضرن داخل المؤسسات الحزبية، وإنما في المسار الذي أتيح لهن قطعه، فالمرأة داخل الحزب ليست مطالبة بأن تظل في موقع الحضور الرمزي، بل بإمكانها أن تبدأ من القواعد التنظيمية، وتراكم التجربة، وتتحمل المسؤولية، وتشق طريقها نحو مواقع القرار.
وهذا التدرج هو جوهر التمكين الحقيقي.
أن تمنح المرأة فرصة المشاركة شيء، وأن تمنحها الثقة والمساحة والآليات التي تمكنها من تطوير مسارها السياسي شيء آخر، ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة الأصالة والمعاصرة جديرة بالتوقف عندها، لأنها تكرس فكرة أساسية: المرأة قادرة على أن تكون فاعلة في التنظيم، ومؤثرة في القرار، وقائدة للمسار السياسي.
كما أن حضور النساء في هياكل من قبيل المجلس الوطني يعكس، في بعده السياسي والتنظيمي، انتقال المرأة من مجرد المشاركة إلى الإسهام في النقاش وصناعة التوجهات والقرارات، وكلما اتسعت هذه المساحات، أصبح التمكين أكثر عمقاً وأبعد من مجرد تمثيلية عددية.
والأهم أن سقف الطموح داخل الحزب لا يبدو محصورا في مستوى معين من المسؤولية، فالطريق نحو مواقع القيادة يظل مفتوحا أمام المرأة، بما في ذلك أعلى المسؤوليات الحزبية، وصولا إلى الأمانة العامة، وهذه رسالة سياسية مهمة، أن قيادة الحزب ليست حكرا على الرجال، وأن الكفاءة والاستحقاق والطموح يمكن أن تفتح أمام المرأة أبوابا كانت، في مراحل سابقة، أكثر صعوبة.
بعد 18 سنة، يمكن النظر إلى هذا المسار باعتباره أحد وجوه التحول الذي تعرفه الممارسة السياسية المغربية، فالمرأة المغربية اليوم لا تريد أن تكون فقط ممثلة في المؤسسات، وإنما تريد أن تكون جزءا من صناعة القرار، وأن تمتلك القدرة على التأثير، وأن تتحمل مسؤولية القيادة.
وهنا تكمن قيمة التمكين السياسي الحقيقي، أن تتحول المرأة من مستفيدة من فرص المشاركة إلى صانعة للفرص، ومن متلقية للقرار إلى مساهمة في إنتاجه.
لذلك، فإن الاحتفاء بمرور 18 سنة على تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة هو أيضا احتفاء بمسار فتح المجال أمام نساء كثيرات لخوض غمار السياسة، واكتساب الخبرة، وتحمل المسؤولية، والتدرج نحو مواقع أكثر تأثيرا.
فالحزب الذي يفتح للمرأة باب المشاركة، يمنحها فرصة، أما الحزب الذي يفتح أمامها طريق التدرج والقيادة، فهو يسهم في صناعة مستقبل سياسي جديد.
وبعد 18 سنة، تظل الرسالة الأهم أن المرأة لا ينبغي أن تبحث عن مكان لها في السياسة، بل أن تجد داخلها المساحة التي تمكنها من صناعة مكانها بنفسها.
فالتمكين ليس أن نترك للمرأة مقعدا في الصف، بل أن نمنحها الثقة والمساحة حتى تصل إلى الصف الأول وتصنع القرار من موقع القيادة.
بقلم: سارة الرمشي