بعد 18 عاما على تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، تبدو محطة 8 غشت 2026 أكثر من مجرد ذكرى تؤرخ لبداية تجربة سياسية انطلقت في 8 غشت 2008؛ إنها مناسبة للتأمل في مسار حزب تعاقبت على قيادته أسماء وتجارب مختلفة، وفي قدرته على تحويل تراكمه التنظيمي والسياسي إلى رافعة جديدة لتجديد النخب، وفتح المجال أمام جيل جديد من الشباب للإسهام في صناعة القرار السياسي.
منذ تأسيسه، عرف حزب الأصالة والمعاصرة تعاقبا على مستوى القيادة، إذ تولى حسن بنعدي قيادة الحزب بين 2008 و2009، ثم الدكتور محمد الشيخ بيد الله بين 2009 و2012، فمصطفى بكوري بين 2012 و2016، وإلياس العماري بين 2016 و2017، ثم الدكتور عبد الحكيم بنشماش بين 2017 و2020، قبل أن يتولى عبد اللطيف وهبي القيادة خلال الفترة الممتدة من 2020 إلى 2024.
ومع المؤتمر الوطني الخامس المنعقد سنة 2024، انتقل الحزب إلى صيغة القيادة الجماعية، تحت إشراف منسقتها الوطنية فاطمة الزهراء المنصوري، وعضوية محمد المهدي بنسعيد وفاطمة سعدي، في محطة تنظيمية وسياسية دشنت مرحلة جديدة في مسار الحزب وفي المشهد السياسي المغربي برمته.
وفي قلب هذا المسار، يبقى البام قبل كل شيء تجربة بشرية وسياسية؛ فأهل البام، قيادات وقواعد، هم مواطنات ومواطنون مغاربة؛ ينتمون إلى وطن آمنوا بقوة أنه يتسع للجميع .. يعملون؛ يتواصلون؛ يأكلون؛ يشربون؛ ينامون؛ يمشون في الأسواق؛ يعيشون مشاعر إنسانية؛ يترافعون عن القضايا.. منهم الأستاذ في القسم، الطبيب المنشغل بمرضاه، والمهندس والبناء في الأوراش، وفيهم الطالب والتلميذ والمفكر والشاعر والأديب، وابن الجندي المدافع عن وطنه؛ وابن العامل الكادح؛ ومنهن محاميات ومهندسات وأستاذات وطبيبات وكفاءات، وبنات نساء كافحن وناضلن لعقود في سبيل تربية خلف صالح يؤثر إيجابا في محيطه.
والباميون، نساء ورجالا، بسطاء؛ لغتهم التواصلية بسيطة أيضا؛ حظوا بثقة المغاربة في أكثر من مناسبة، رغم الحملات المغرضة والمزايدات الفارغة والهرطقات التي لا تنتهي من الذين يتوقون إلى أن تظل ثقة المواطن في السياسة ضعيفة حد الانعدام؛ ليعبثوا بأحلام المواطن وتطلعاته، ويتخذوها مطية فقط للحظوة بالكراسي في المجالس المختلفة.
قال البام كلمته بصراحة أكثر من مرة، بشهادات من عايشوا مختلف المراحل من الأصدقاء والخصوم، ووقع على النجاح في عدة محطات، 2009 و2015 و2016، وصولا إلى العام 2021؛ إذ أكدت المؤشرات والأرقام نجاح تجربة “جرار” حزب الأصالة والمعاصرة في تقديم “محصول” يليق بالوطن وأهله.
لكن قيمة هذا المسار لا تقاس فقط بعدد القيادات التي تعاقبت على المسؤولية، ولا بمجرد استعادة النتائج والمحطات الانتخابية، وإنما بقدرة الحزب على تحويل تجربته المتراكمة إلى قوة دافعة نحو المستقبل.
فالأحزاب السياسية التي تريد الاستمرار لا يمكنها أن تكتفي بما حققته، ولا أن تظل أسيرة للأسماء نفسها، بل تحتاج باستمرار إلى تجديد أفكارها ونخبها وطاقاتها البشرية.
وهنا تحديدا يبرز سؤال تجديد النخب باعتباره أحد أهم التحديات المطروحة أمام حزب الأصالة والمعاصرة، كما هو مطروح أمام مختلف الأحزاب السياسية المغربية.
فتجديد النخب ليس مجرد تغيير في المواقع أو تداول الأشخاص على المسؤوليات، وإنما هو عملية مستمرة لإنتاج الكفاءات، وتأهيل الطاقات الجديدة، ومنحها الثقة والفرصة والمساحة اللازمة للمبادرة وتحمل المسؤولية.
وفي قلب هذا الرهان يوجد الشباب؛ فالشباب المغربي اليوم لا يريد أن يكون مجرد عنوان انتخابي أو رقما يضاف إلى لوائح المنخرطين، ولا أن يقتصر حضوره على المناسبات التنظيمية والمهرجانات الانتخابية.
إنه يريد أن يكون حاضرا في النقاش، وفي صياغة الأفكار، وفي بناء البرامج، وفي تدبير الشأن العام، وفي مواقع المسؤولية.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في استقطاب الشباب، وإنما في الاقتراب منهم أكثر فأكثر؛ الإنصات إلى انشغالاتهم، وفهم تطلعاتهم، ومناقشة أسئلتهم، ومواكبة طموحاتهم، وفتح قنوات مستمرة للتواصل معهم.
وفي هذا السياق، تبرز الدينامية التي أحدثتها منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة صلاح الدين عبقري، وبمواكبة سلمى أبلحساين على رأس المجلس الوطني للمنظمة، باعتبارها إحدى الواجهات التي يمكن من خلالها ترجمة رهان الحزب على الشباب إلى ممارسة ميدانية.
فالحضور المتزايد لمنظمة الشباب في مختلف المحطات واللقاءات التواصلية، وانفتاحها على الطاقات الجديدة، يعكسان توجها نحو تعزيز الحضور وسط الشباب والاقتراب منهم أكثر فأكثر، والإنصات إلى انشغالاتهم وانتظاراتهم، وفتح مساحات جديدة للتواصل والحوار والتأطير.
والأهم أن هذا الاقتراب لا ينبغي أن يكون مرتبطا فقط بالمواعيد الانتخابية، بل أن يتحول إلى ممارسة سياسية وتنظيمية مستمرة، تقوم على الحضور بين الشباب، والاستماع إلى قضاياهم، وإشراكهم في النقاش العمومي، ومنحهم فرصا حقيقية لتحمل المسؤولية.
فالشباب لا يحتاج فقط إلى من يتحدث باسمه، بل إلى من يفتح أمامه المجال لكي يتحدث ويقترح ويشارك ويقرر.
ومن هذه الزاوية، يمكن للدينامية التي تعرفها منظمة الشباب أن تشكل رافعة مهمة لتعزيز صلة الحزب بالأجيال الجديدة، والانتقال من مجرد استقطاب الشباب إلى بناء الثقة معهم، ومن التواصل معهم إلى العمل معهم، ومن إشراكهم إلى تمكينهم.
إن المطلوب اليوم ليس وضع جيل مقابل جيل، ولا استبدال الخبرة بالشباب، وإنما بناء جسور بين التجربة والطاقة الجديدة؛ فالأجيال التي أسهمت في تأسيس الحزب وقيادته وتطوير تجربته راكمت معرفة وخبرة مهمتين، بينما يحمل الجيل الجديد أسئلة مختلفة، وأدوات جديدة، وانتظارات مرتبطة بعالم سياسي واجتماعي متغير.
وهنا يصبح تجديد النخب عملية تكاملية، تستفيد من خبرة من سبق، وتمنح في الوقت نفسه للطاقات الجديدة فرصة الصعود والمبادرة وتحمل المسؤولية.
فحزب الأصالة والمعاصرة، بعد 18 عاما من وجوده في المشهد السياسي المغربي، أمام فرصة حقيقية لجعل تجديد النخب جزءاً من ممارسته المؤسساتية، لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.
كما أن الاقتراب من الشباب ينبغي أن يتحول إلى خيار دائم، يتجاوز منطق الانتخابات إلى بناء علاقة سياسية وتنظيمية طويلة النفس.
لقد كانت 08-08-2008 لحظة تأسيس، أما 08-08-2026 فهي لحظة تأمل في حصيلة 18 عاما، ولكنها أيضا لحظة لطرح سؤال المستقبل: أي حزب نريد أن يكونه البام في السنوات المقبلة؟ وكيف يمكن أن ينتقل من تجديد القيادات إلى تجديد النخب؟ وكيف يمنح الشباب مجالا أوسع ليكونوا جزءا من صناعة القرار ومستقبل الحزب؟.
إن قوة حزب الأصالة والمعاصرة في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بعدد المحطات التي نجح فيها انتخابيا، ولا بعدد المسؤولين الذين تعاقبوا على قيادته، وإنما أيضا بقدرته على إنتاج جيل جديد من السياسيين، يمتلك الكفاءة والجرأة على الاقتراح، والقدرة على الإنصات للمواطنين، والاستعداد لتحمل المسؤولية.
فالاحتفال بثمانية عشر عاما لا ينبغي أن يكون فقط احتفاء بما تحقق، بل فرصة لتجديد العهد مع المستقبل؛ مستقبل حزب أكثر قرب من المواطن، وأكثر إنصاتا للشباب، وأكثر قدرة على تجديد نخبه، وأكثر انفتاحا على الطاقات التي تحمل أسئلة مغرب اليوم وتطلعات مغرب الغد.
ذلك أن تجديد النخب ليس ترفا تنظيميا، ومنح الشباب مجالا أوسع ليس تنازلا من جيل لفائدة جيل آخر؛ بل هو استثمار في استمرارية العمل السياسي، وفي قدرة الأحزاب على التجدد، وفي مستقبل الديمقراطية المغربية نفسها.
مراد بنعلي
صحفي بالبوابة الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة