لم تعد نتيجة حزب الأصالة والمعاصرة في انتخابات 23 شتنبر 2026 مجرد انتقال في ترتيب الأحزاب داخل مجلس النواب، بل جاءت بعد خمس سنوات من الحضور في تدبير الشأن الحكومي، وهي الفترة التي انتقل خلالها الحزب من موقع المعارضة إلى المشاركة في صناعة القرار التنفيذي، قبل أن ينهي الولاية الانتخابية في صدارة الخريطة البرلمانية.
فالحزب، الذي حصل في انتخابات 2021 على 87 مقعدا وحل ثانيا، عاد بعد خمس سنوات ليحصد 97 مقعدا ويتقدم إلى المرتبة الأولى وطنيا، وبين النتيجتين، خاض تجربة حكومية امتدت عبر عدد من القطاعات، بما جعل أداء وزرائه جزءا من الحضور المؤسساتي للحزب خلال الولاية المنتهية.
خمس سنوات داخل القرار التنفيذي
عند تشكيل الحكومة سنة 2021، دخل حزب الأصالة والمعاصرة التجربة الحكومية بسبعة وزراء، وتوزعت مسؤولياته بين قطاعات ذات ارتباط مباشر بعدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، من بينها الشباب والثقافة والتواصل، وإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والعدل، والإدماج الاقتصادي والتشغيل والكفاءات، والتعليم العالي، والانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، إلى جانب الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
ومع توالي الولاية الحكومية، لم يعد حضور البام مرتبطا فقط بموقعه داخل التحالف الحكومي، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بقطاعات ومسارات تدبيرية متعددة، أتاحت لوزرائه الاشتغال على ملفات تمتد من التشغيل والاستثمار والمقاولة إلى السكن والتعمير، ومن الثقافة والشباب إلى الطاقة والرقمنة.
وبذلك، شكلت الفترة الممتدة بين 2021 و2026 أول تجربة حكومية كاملة للحزب في سياق انتخابي متكامل، قبل أن يواجه استحقاقا جديدا يكون فيه الحكم على حضوره مرتبطا أيضا بنتيجة الصناديق.
من تدبير القطاعات إلى اختبار الحضور السياسي
تكمن أهمية هذه المرحلة في أنها نقلت الحزب إلى مستوى مختلف من العمل السياسي، فالمشاركة في الحكومة لا تضع الحزب أمام أسئلة المعارضة والاقتراح فقط، وإنما تجعله جزءا من القرار العمومي، وتربط حضوره السياسي بالقطاعات التي تولى تدبيرها وبالبرامج التي التزم بتنفيذها.
وهنا تكتسب نتيجة 23 شتنبر دلالتها الرقمية، الحزب لم يحافظ فقط على رصيده السابق، بل رفعه من 87 إلى 97 مقعدا، بزيادة عشرة مقاعد، في الوقت الذي انتقل فيه من المرتبة الثانية إلى الأولى.
ولا تعني هذه الأرقام، في حد ذاتها، أن التجربة الحكومية تفسر منفردة الزيادة المسجلة في عدد المقاعد؛ فالنتائج الانتخابية تتداخل فيها عوامل متعددة، من التنظيم والحضور المحلي إلى المرشحين والحملة والبرامج والاختيارات الانتخابية، غير أن المقارنة الزمنية تضع التجربة الحكومية ضمن السياق الذي تشكلت داخله النتيجة الجديدة.
حضور حكومي بأسماء وملفات متعددة
خلال الولاية المنتهية، ارتبط حضور البام الحكومي بعدد من الوجوه التي أصبحت جزءا من المشهد التنفيذي الوطني.
فاطمة الزهراء المنصوري واصلت تدبير قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، فيما تولى محمد مهدي بنسعيد قطاع الشباب والثقافة والتواصل، بينما ارتبط يونس السكوري بملف الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات،كما تولى الحزب حقائب العدل والتعليم العالي والانتقال الطاقي والانتقال الرقمي.
وهكذا، لم يكن حضور الحزب الحكومي محصورا في مجال واحد، بل امتد إلى ملفات مختلفة في طبيعتها وتأثيرها، وهو ما منح تجربته الحكومية أبعادا متعددة يمكن قراءتها اليوم في ضوء النتيجة التي أفرزتها انتخابات 2026.
الرقم الجديد.. ماذا تغير بين 2021 و2026؟
عند وضع النتيجتين الانتخابيتين جنبا إلى جنب، تظهر صورة أكثر وضوحا.
في 2021، حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 87 مقعدا، محتلا المرتبة الثانية خلف التجمع الوطني للأحرار، وفي 2026، ارتفع رصيده إلى 97 مقعدا، ليصبح الحزب الأول من حيث عدد المقاعد في مجلس النواب.
أي أن الحزب دخل الولاية التشريعية السابقة باعتباره ثاني قوة برلمانية، وخرج منها بنتيجة انتخابية وضعته في صدارة المجلس.
وهنا تكمن أهمية قراءة الرقم 97؛ فهو لا يعكس فقط حجم الكتلة البرلمانية الجديدة، وإنما يلخص أيضا انتقال الحزب من موقع المشاركة الحكومية إلى موقع الصدارة الانتخابية.
تجربة حكومية تلتقي مع نتيجة انتخابية جديدة
القراءة الأوسع لمسار البام خلال السنوات الخمس الماضية تكشف إذن عن مرحلتين متصلتين؛ مرحلة ممارسة المسؤولية الحكومية، ثم مرحلة الاحتكام مجددا إلى صناديق الاقتراع.
فقد دخل الحزب سنة 2021 إلى الحكومة بتمثيلية برلمانية بلغت 87 مقعدا، وشارك في تدبير عدد من القطاعات، قبل أن يعود إلى الانتخابات التشريعية في 2026 برصيد بلغ 97 مقعدا.
وبين الرقمين، تغير موقع الحزب في الخريطة السياسية؛ من المرتبة الثانية إلى المرتبة الأولى.
لذلك، فإن نتيجة 23 شتنبر لا تقرأ فقط باعتبارها حصيلة انتخابية منفصلة عن الولاية السابقة، وإنما باعتبارها محطة جديدة في مسار حزب راكم خلال خمس سنوات تجربة في تدبير الشأن العام، ثم عاد إلى البرلمان بنتيجة منحته الصدارة.
ومن هنا تبدأ دلالة المرحلة المقبلة؛ فالحزب الذي خاض تجربة المشاركة في الحكومة خلال الولاية المنتهية، يجد نفسه بعد نتائج 23 شتنبر أمام موقع مؤسساتي جديد، يجعل الصدارة البرلمانية امتدادا لمسار سياسي انتقل خلال سنوات قليلة من المشاركة في القرار إلى التقدم في الخريطة الانتخابية.
سارة الرمشي