إن ما تتعرض له السيدة فاطمة الزهراء المنصوري من حملة ممنهجة لا ينبغي قراءته فقط كواقعة سياسية عابرة أو كجزء من الصراع العادي داخل المجال العام، بل يجب فهمه في سياقه الأعمق: سياق مقاومة صعود المرأة المغربية إلى مواقع التأثير والقرار، ومحاولة إضعاف الرموز النسائية التي استطاعت أن تفرض حضورها بالكفاءة، والمسار، والعمل، والقدرة على تحمل المسؤولية.
فاطمة الزهراء المنصوري ليست اسما عاديا في المشهد السياسي المغربي، وليست مجرد مسؤولة عمومية عابرة في زمن سياسي متحرك. إنها تمثل، بالنسبة لكثير من النساء المغربيات، صورة المرأة التي رسخت حضورها في مركز القرار، وفرضت احترامها داخل فضاءات المسؤولية والعمل العمومي، باعتبارها نموذجا لامرأة مغربية كفؤة، قادرة على القيادة، والتدبير، واتخاذ القرار بثقة ومسؤولية.
وما يجعل استهدافها اليوم ذا دلالة خاصة هو أن الحملات التي تطال النساء القياديات لا تكون دائما بريئة أو محكومة بمنطق النقد السياسي المشروع. ففي كثير من الأحيان، يتم جر النقاش من تقييم الأداء والبرامج والاختيارات إلى مستويات أخرى من الشخصنة، والتبخيس، والتشكيك، ومحاولة المساس بالصورة الرمزية للمرأة الناجحة. وهنا تكمن خطورة هذه الممارسات، لأنها لا تستهدف شخصا بعينه فقط، بل تستهدف فكرة أوسع: فكرة أن المرأة المغربية قادرة على أن تكون في الصفوف الأمامية، وأن تدبر، وتقود، وتقرر، وتؤثر.
إن المرأة القيادية عندما تدخل المجال العام بقوة لا تواجه فقط منافسة سياسية أو اختلافا في الرأي، بل تواجه أحيانا مقاومة ثقافية غير معلنة لحضورها. فهناك من يقبل بالمرأة ما دامت حاضرة بشكل رمزي أو ثانوي، لكنه يضيق بها عندما تصبح صاحبة قرار ومبادرة وتأثير. وهذا ما يجعل معركة المناصفة ليست فقط معركة أرقام ونسب داخل المؤسسات، بل معركة وعي وثقافة واعتراف.
لقد ألهمت فاطمة الزهراء المنصوري نساء المغرب التواقات إلى الإنصاف والمناصفة، لأنها جسدت صورة المرأة التي لا تنتظر أن يمنحها الآخرون شرعية الحضور، بل تبني هذه الشرعية بالمسار، والعمل، والالتزام، والثبات. وهي بهذا المعنى تمثل رمزا لنساء كثيرات في الجامعة، والإدارة، والسياسة، والمقاولة، والمجتمع المدني، ممن يخضن يوميا معارك صامتة من أجل الاعتراف بالكفاءة، بعيدا عن الأحكام الجاهزة والصور النمطية.
غير أن هذا الحضور القوي غالبا ما يكون مكلفا. فالمرأة التي تنجح وتؤثر وتزعج التوازنات التقليدية تصبح عرضة لتشويش مضاعف. يتم اختبارها أكثر، ومراقبتها أكثر، والحكم عليها بقسوة أكبر. وقد تتحول قوتها، بدل أن تكون مصدر اعتراف، إلى ذريعة لاستهدافها. وهذا يكشف خللا عميقا في جزء من الثقافة السياسية والاجتماعية، التي لم تستوعب بعد أن المرأة في موقع القرار ليست استثناء، بل حق طبيعي ومكسب وطني.
إن الدفاع عن فاطمة الزهراء المنصوري في مواجهة الحملات الممنهجة لا يعني إلغاء النقد أو رفض المساءلة. فكل مسؤول عمومي، رجلا كان أو امرأة، يجب أن يخضع للتقييم والمحاسبة والنقاش الديمقراطي. لكن الفرق كبير بين النقد المسؤول المبني على الوقائع والمعطيات، وبين التشهير والتبخيس والإشاعة ومحاولات الاغتيال الرمزي. النقد يبني، أما التشويش فيكشف عجز أصحابه عن مواجهة المسارات الجادة بالحجة والبديل.
ومن هذا المنطلق، فإن ما تتعرض له فاطمة الزهراء المنصوري يطرح سؤالا جوهريا على المجتمع والسياسة والإعلام: هل نحن مستعدون فعلا لقبول المرأة المغربية حين تكون قوية، حاضرة، مؤثرة، وصاحبة قرار؟ ليس فقط حين تكون واجهة جميلة لشعار المناصفة، بل حين تمارس المسؤولية بكامل مشروعيتها، وتدافع عن اختياراتها، وتتحمل كلفة القيادة.
لقد قطع المغرب، بفضل الإرادة الملكية السامية، أشواطا مهمة في تعزيز حقوق النساء وتمكينهن من الولوج إلى مراكز القرار. كما كرس الدستور مبدأ المناصفة باعتباره أفقا ديمقراطيا ومجتمعيا. غير أن النصوص وحدها لا تكفي إذا لم تواكبها ثقافة سياسية واجتماعية تحترم المرأة القيادية، وتحميها من حملات التحقير، وتمنحها الحق نفسه الذي يمنح للرجل: الحق في العمل، والنجاح، والاجتهاد، والخطأ، والتصحيح، والمساءلة العادلة.
إن المغرب لا يمكنه أن يربح رهانات التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية بنصف طاقته البشرية فقط. النساء المغربيات يشكلن رصيدا هائلا من الكفاءة والخبرة والقدرة على القيادة. وكل حملة تستهدف امرأة ناجحة ترسل، بشكل مباشر أو غير مباشر، رسالة سلبية إلى الفتيات والنساء مفادها أن النجاح مكلف، وأن الظهور في المجال العام محفوف بالتشويه. لذلك يصبح التضامن مع النساء القياديات موقفا مبدئيا دفاعا عن حق الأجيال القادمة في الطموح دون خوف.
فاطمة الزهراء المنصوري، بما راكمته من تجربة وحضور، تبقى واحدة من الوجوه النسائية التي ساهمت في توسيع صورة الممكن أمام المرأة المغربية. قد تختلف الآراء حول اختياراتها السياسية أو تدبيرها أو مواقفها، وهذا أمر طبيعي في كل حياة ديمقراطية، لكن لا يمكن إنكار أنها رسخت صورة المرأة القادرة على القيادة والتأثير داخل المجال العام.
خديجة الحبوبي