انطلقت، اليوم الأربعاء 8 أبريل 2026 بالعاصمة الرباط، أشغال الجلسة الافتتاحية لقمة “RenewPAC 2026”، التي تحتضنها المملكة المغربية من 7 إلى 9 أبريل، تحت شعار “الصمود والتجدد: بناء شراكات ليبرالية في عالم متعدد الأقطاب”، بمشاركة وازنة لصناع القرار وخبراء ومستثمرين من مختلف دول العالم، في محطة دولية تسعى إلى إعادة رسم ملامح التعاون بين تفريقيا وأوروبا.
وتنظم هذه القمة بشراكة بين حزب الأصالة والمعاصرة، ومؤسسة فريدريش ناومان الألمانية، ورابطة الليبراليين والديمقراطيين في أوروبا، إلى جانب منتدى الليبراليين العالمي، حيث تشكل منصة جامعة لمناقشة رهانات كبرى، من بينها التحول الرقمي، والانتقال الطاقي، والتعاون الاقتصادي، ومكافحة التغيرات المناخية.
وفي كلمة قوية خلال أشغال القمة، أكد وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، أن الحديث عن الحرية والحقوق والازدهار في سياق دولي مضطرب لم يعد ترفا فكريا، بل ضرورة ملحة تفرضها التحولات العميقة التي يشهدها العالم، في ظل إعادة تشكيل التوازنات الدولية وتنامي التحديات الجيوسياسية.
وشدد الوزير على أن هذه المرحلة الدقيقة تفرض التشبث بالقيم الليبرالية المؤسسة للمجتمعات المنفتحة، القائمة على العقلانية، والتعددية، واحترام التنوع الثقافي والهوياتي، معتبرا أن الليبرالية اليوم مطالبة بإعادة تجديد نفسها لمواكبة عالم متعدد الأقطاب، يتسم بتحديات غير مسبوقة.
وفي هذا السياق، أبرز أن المغرب، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، يسير في مسار تنموي متميز، يجمع بين تحقيق النمو الاقتصادي وتعزيز التماسك الاجتماعي، مع إيلاء أهمية كبرى للرأسمال البشري، وترسيخ الحقوق والحريات، وبناء دولة الحق والقانون ذات البعد الاجتماعي.
كما أكد أن المملكة، بحكم موقعها الاستراتيجي كحلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، وبين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، تطمح إلى لعب دور محوري في بلورة نموذج جديد للتعاون بين ضفتي المتوسط، قائم على التنمية المشتركة والتكامل الاقتصادي.
ودعا الوزير إلى استثمار الدينامية التي أطلقتها هذه القمة من أجل بناء شراكات مبتكرة، قادرة على مواجهة التحديات المناخية والعلمية والتكنولوجية، مع التركيز على تعبئة طاقات الشباب وتحفيز روح الابتكار لتحويل الأزمات إلى فرص للنمو والتقدم.
وفي قراءة استشرافية، اعتبر السيد بنسعيد أن الليبرالية الكلاسيكية، التي نشأت في سياق أحادي القطبية قائم على الثورة الصناعية والطاقات الأحفورية، لم تعد كافية لمواجهة تحديات الحاضر، مشددا على ضرورة بناء ليبرالية متجددة ترتكز على الانتقال الطاقي، والتحكم في آثار التغير المناخي، ومواكبة ثورة الذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن بوادر هذا التحول بدأت تتشكل بالفعل من خلال مشاريع كبرى، من قبيل الممرات الاقتصادية الممتدة على الواجهة الأطلسية، والتعاون العلمي والتكنولوجي، إضافة إلى بروز فضاءات ثقافية ولغوية جديدة قائمة على التبادل والتكامل بدل الهيمنة.
وختم الوزير كلمته بالتأكيد على أن التاريخ المشترك بين ضفتي المتوسط، الذي شكل فضاء للتفكير الفلسفي حول الحرية والمسؤولية والصالح العام، يضع على عاتق الجيل الحالي مسؤولية استلهام هذا الإرث لبناء نموذج ليبرالي إنساني ومتجدد.
وعرفت أشغال اليوم الثاني من القمة تنظيم حوار استراتيجي حول الأمن الصحي تحت شعار “ضمان الصحة وتعزيز السيادة”، حيث تم التأكيد على الدروس المستخلصة من الأزمات الصحية العالمية الأخيرة التي كشفت عن اختلالات هيكلية في سلاسل الإمداد وقدرات التصنيع وأنظمة المراقبة.
وركزت النقاشات على تعزيز التعاون مع المراكز الإفريقية لمكافحة الأمراض، وتوسيع الإنتاج الإقليمي للقاحات والأدوية، إلى جانب الاستثمار في تطوير الكفاءات الصحية وتقوية أنظمة الإنذار المبكر، في أفق الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء أمن صحي مستدام قائم على الشراكة والاستقلالية.
وفي محور آخر، ناقش المشاركون سبل تحويل الهجرة والتنقل بين افريقيا وأوروبا إلى رافعة للتنمية، من خلال حوار استراتيجي حول “التنقل كفرصة”.
وتم تسليط الضوء على أهمية إرساء نماذج مبتكرة للهجرة الدائرية وشراكات المواهب، بما يضمن ملاءمة المهارات مع حاجيات سوق الشغل، مع الحفاظ على حقوق وكرامة الأفراد، كما شدد المتدخلون على ضرورة جعل تنقل الأشخاص عاملا محفزا للتنمية البشرية والابتكار وتعزيز الازدهار المشترك بين القارتين.
كما تضمن البرنامج جلسات محورية حول الحكامة والأمن، حيث ناقش المشاركون سبل تعزيز الديمقراطية وترسيخ مؤسسات قوية وشفافة قادرة على ضمان نزاهة العمليات الانتخابية واستقلال القضاء وتوسيع المشاركة المدنية.
وفي سياق متصل، تم التطرق إلى تحديات الاستقرار الأمني في افريقيا، مع الدعوة إلى إعادة صياغة التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإفريقيا في مجال الأمن، عبر دعم عمليات السلام وتعزيز الجهود المشتركة لمكافحة الإرهاب، مع احترام حقوق الإنسان.
واختتمت الفعاليات بجلسة “الفكرة الكبرى” التي منحت المشاركين فرصة تقديم مقترحات مبتكرة لإعادة تصور مستقبل الشراكة بين الجانبين.
تحرير: سارة الرمشي/ تصوير: ياسين الزهراوي







