لا يمكن للزائر لموقع “ليكسوس” الأثري بالعرائش، وهو يقف أمام شموخ المسرح الروماني أو بقايا حي المعابد الفينيقي، إلا أن يشعر بنوع من “الانفصام التاريخي”.
فنحن أمام مدينة سبقت قرطاج في الوجود، واحتضنت أساطير “هرقل”؛ ومع ذلك، ظل هذا الإرث العظيم لفترة طويلة خارج الدورة التنموية. لكن اليوم، وبفضل الدينامية الجديدة التي انطلقت منذ سنوات، لم يعد السؤال هو “كيف نحمي ليكسوس؟” بل “كيف نجعل منها قطباً اقتصادياً عالمياً؟”.
حصيلة السنوات الخمس (2021-2026): من “الموقع المهجور” إلى “القطب الدولي”
لقد كانت الخمس سنوات الماضية بمثابة “عصر النهضة” لموقع ليكسوس الأثري؛ حيث انتقلنا من مقاربة الحماية الكلاسيكية السلبية إلى استراتيجية “الاستثمار التراثي المنتج”.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة خطوات ملموسة غيرت وجه العرائش التاريخي:
تجسيد الرؤية الملكية السامية:
لم تعد حماية التراث مجرد إجراءات تقنية معزولة، بل أصبحت -تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية- عمادا للتنمية البشرية والمجالية التي تضع التراث في قلب التنمية.
وقد ترجمت وزارة الثقافة هذه الرؤية عبر رصد ميزانيات استثنائية للتهيئة والصيانة، نقلت الموقع من مرتبة “الأطلال المنسية” إلى صدارة المشاريع المهيكلة بالجهة.
الإرادة السياسية والالتزام الميداني:
شكلت الزيارات الميدانية المتكررة لوزير الشباب والثقافة والشباب محمد مهدي بنسعيد (لا سيما في 2022 و2023) القطيعة النهائية مع “زمن التهميش”.
لقد أعطى هذا الحضور الوزاري القوي إشارة انطلاق واضحة: ليكسوس هي أولوية وطنية قصوى ضمن استراتيجية “الصناعات الثقافية” التي تراهن عليها المملكة.
الإشعاع الدولي والريادة العلمية:
بفضل مشروع “ليكسوس-كاروم” بالشراكة مع جامعة “قادس” الإسبانية، استعاد الموقع مكانته كأكبر مجمع صناعي لتمليح الأسماك في العالم القديم.
هذا التعاون العلمي العابر للحدود لم يرفع من القيمة الأكاديمية للموقع فحسب، بل أعاد رسم خارطة السياحة الأركيولوجية العالمية لتكون العرائش أحد محاورها الرئيسية.
الثورة الهيكلية والعصرنة:
اليوم، يقف الموقع شامخا بـ 75 هكتارا مؤمنة بالكامل، ومجهزة بنظام إنارة متطور، بالإضافة إلى “مركز تعريف التراث” الذي تحول إلى منارة عصرية لاستقبال البعثات الدولية والزوار بمعايير تضاهي كبريات المتاحف المفتوحة في حوض المتوسط.
“الوزارة قامت بدورها.. والآن جاء دورنا”
إن الإنصاف يقتضي منا الاعتراف بأن الوزارة الوصية قد قامت بواجبها على أكمل وجه؛ فقد وفرت البنية التحتية، وأمنت الموقع، وفتحت مسارات الزيارة، ووضعت ليكسوس في واجهة الحدث الوطني.
الكرة الآن في ملعبنا، نحن في مجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة.
لقد وضع المشروع الحكومي حجر الأساس المتين، وعلينا كجهة أن نبني فوقه “نموذجا اقتصاديا” مستداما عبر:
– تدويل الترويج السياحي:
الانتقال من البحث العلمي الصرف إلى الجذب السياحي العالمي عبر تفعيل اتفاقيات الشراكة والتوأمة الدولية التي تشرف عليها لجنتنا، لجذب استثمارات أجنبية في الخدمات السياحية المرافقة.
– مبادرة التدريب والإدماج (مدرسة ليكسوس المفتوحة):
إشراك طلبة معاهد الفنون والهندسة والتقنيين الشباب بالجهة في ورشات الترميم والإرشاد.
هذا التوجه سيخفض التكاليف التشغيلية ويمنح شبابنا “شهادات خبرة ميدانية” تفتح لهم آفاق الشغل.
– إحياء المسرح الروماني:
الاستثمار في النجاحات الأولية للعروض الموسيقية التي احتضنها الموقع، لتحويله إلى منصة قارة للمهرجانات الدولية الكبرى (الموسيقى العتيقة والسينما التاريخية)، وخلق “قرية ليكسوس للصناعة التقليدية” لتمكين التعاونيات المحلية.
خاتمة
إن ليكسوس اليوم، بحصيلتها المشرفة في السنوات الخمس الأخيرة، لم تعد مجرد “أطلال للذكرى”، بل أصبحت قاطرة تنموية جاهزة للإقلاع.
نحن في مجلس الجهة مدعوون اليوم للانخراط في هذه الدينامية التي أسست لها الحكومة، لنحول هذا المنجز الوطني إلى عصب اقتصادي يربط تاريخنا العريق بمستقبلنا التنموي المنشود لإقليم العرائش وللجهة ككل.
بقلم: د. أيمن الغازي
رئيس لجنة الشراكة والتعاون الدولي ومغاربة العالم بمجلس طنجة- تطوان- الحسيمة