في إطار برنامجه التأطيري والتواصلي الرامي إلى ترسيخ ثقافة الحوار السياسي وتعزيز التكوين الحزبي، نظم قطب التواصل والتكوين والأنشطة الإشعاعية بالأمانة الإقليمية لحزب الأصالة والمعاصرة، مساء الأربعاء 08 يوليوز 2026، بالمقر الجهوي للحزب بمدينة طنجة، لقاء تواصليا وفكريا حول موضوع: “حزب الأصالة والمعاصرة: مسار التأسيس، سؤال الهوية ورهانات المستقبل”، أطرته الدكتورة زهور الوهابي، نائب رئيس المجلس الوطني للحزب، فيما تولت تسيير أشغال اللقاء فاطمة الزهراء المدغري بمعية محمد بورزين، وبحضور مينة الروشاطي، عضو المكتب التنفيذي لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة، وحنان أوسار، عضو الأمانة الإقليمية للحزب، ونصرو العبدلاوي، رئيس قطب التواصل والتكوين والأنشطة الإشعاعية، إلى جانب أعضاء القطب وعدد من مناضلات ومناضلي الحزب.
وفي افتتاح اللقاء، أكدت فاطمة الزهراء المدغري أن هذه الندوة تندرج ضمن سلسلة من المبادرات التأطيرية التي يحرص قطب التواصل والتكوين والأنشطة الإشعاعية على تنظيمها، بهدف تعميق النقاش السياسي والفكري داخل الحزب، وترسيخ ثقافة التكوين المستمر، وتعزيز قدرات المناضلات والمناضلين على استيعاب التحولات التي يعرفها المشهد السياسي الوطني.
وأضافت أن اختيار موضوع “حزب الأصالة والمعاصرة: مسار التأسيس، سؤال الهوية ورهانات المستقبل” لم يكن اعتباطيا، بل يعكس وعيا بأهمية العودة إلى المحطات المؤسسة للحزب، واستحضار تطور مشروعه السياسي والتنظيمي، واستشراف تحديات المرحلة المقبلة، بما يعزز الهوية الحزبية ويقوي أدوار الحزب التأطيرية والتواصلية، مؤكدة أن مثل هذه اللقاءات تشكل فضاء للحوار المسؤول وتبادل الرؤى والأفكار بين مختلف أجيال المناضلات والمناضلين.
بعد ذلك، تناولت الدكتورة زهور الوهابي الكلمة، مؤكدة أن الحديث عن حزب الأصالة والمعاصرة لا يقتصر على استعراض محطات تنظيمية أو انتخابية، بل يتعلق بتجربة سياسية ارتبطت منذ نشأتها بأسئلة الإصلاح السياسي، وتجديد النخب، وتقوية المؤسسات، وإعادة بناء الثقة في العمل الحزبي، انطلاقا من قناعة مفادها أن تحديث الحياة السياسية يظل مدخلا أساسيا لمواكبة التحولات التي يعرفها المغرب.
وأوضحت أن تأسيس الحزب سنة 2008 جاء في سياق وطني خاص اتسم بتراجع نسب المشاركة السياسية، وضعف التأطير الحزبي، والحاجة إلى تجديد النخب، بالتزامن مع الأوراش الإصلاحية الكبرى التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وهو ما استدعى، بحسب الدكتورة الوهابي، بروز قوة سياسية جديدة قادرة على الإسهام في تأطير المواطنين وتقديم بدائل واقعية في مجالات التنمية والديمقراطية والحكامة.
وأضافت أن حزب الأصالة والمعاصرة تأسس نتيجة اندماج عدد من الأحزاب السياسية، في إطار رؤية هدفت إلى تجاوز التشتت الحزبي وبناء تنظيم سياسي حديث، مؤكدة أن الحزب لم يقدم نفسه بديلا عن التاريخ السياسي المغربي، وإنما سعى إلى التوفيق بين الأصالة باعتبارها تشبثا بالثوابت الوطنية، والمعاصرة باعتبارها انفتاحا على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، وهو ما يفسر دلالة اسمه وهويته الفكرية والسياسية.
وانتقلت الوهابي إلى الحديث عن الهوية السياسية للحزب، معتبرة أنها تقوم على مرجعيات واضحة، في مقدمتها التشبث بالثوابت الدستورية للمملكة، والدفاع عن الدين الإسلامي الوسطي، والوحدة الوطنية والترابية، والملكية الدستورية، والاختيار الديمقراطي، إلى جانب الإيمان بالدولة الاجتماعية باعتبارها مدخلا لتحقيق العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، وبناء مؤسسات قوية تقوم على الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة وسيادة القانون.

وأكدت أن الحزب ظل منذ تأسيسه منفتحا على مختلف الكفاءات الوطنية، وجعل من تمكين النساء والشباب إحدى أولوياته التنظيمية والسياسية، إيمانا منه بأن تجديد النخب وإشراك الطاقات الجديدة يمثلان شرطا أساسيا لتطوير العمل الحزبي وتعزيز حضوره داخل المجتمع.
كما استعرضت ملامح المشروع المجتمعي للحزب، موضحة أنه يقوم على رؤية تنموية شاملة لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، وإنما تشمل الأبعاد الاجتماعية والثقافية والبيئية، وتروم بناء دولة حديثة وقوية بمؤسساتها، عادلة في توزيع الثروة، وقادرة على تحقيق التنمية المستدامة، من خلال ترسيخ الدولة الاجتماعية، وإصلاح منظومة التربية والتكوين، وتعميم الحماية الاجتماعية، وتحسين جودة الخدمات الصحية، وتشجيع الاستثمار المنتج، ودعم المقاولات الوطنية، والاقتصاد الأخضر، وتقليص الفوارق المجالية، وتمكين المرأة، وتأهيل الشباب، وتسريع التحول الرقمي، وترسيخ مبادئ الحكامة والشفافية.
وفي سياق حديثها عن مفهوم الحداثة، أوضحت الوهابي أن حزب الأصالة والمعاصرة لم ينظر إليها باعتبارها قطيعة مع الهوية الوطنية أو مع مقومات المجتمع المغربي، وإنما باعتبارها مشروعا مجتمعيا متكاملا يقوم على تحديث المؤسسات، وترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، وتكريس مبادئ الحكامة الجيدة، إلى جانب تشجيع البحث العلمي والابتكار، والانفتاح على الاقتصاد الرقمي، والاستثمار في الرأسمال البشري باعتباره الثروة الحقيقية لأي مشروع تنموي.
وأضافت أن هذا التوجه الحداثي انعكس بوضوح في اختيارات الحزب التنظيمية والسياسية، من خلال فتح المجال أمام الكفاءات الوطنية، وإعطاء مكانة متقدمة للنساء والشباب داخل مختلف هياكله، سواء على المستوى التنظيمي أو في تدبير الشأن العام، معتبرة أن هذا الخيار يجسد قناعة الحزب بأن تجديد النخب وتمكين الطاقات الجديدة يشكلان مدخلا أساسيا لتطوير الأداء السياسي وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، توقفت الوهابي عند محطة انتخاب السيدة فاطمة الزهراء المنصوري منسقة وطنية للقيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، ترافقها فاطمة سعدي كعضو لذات القيادة، معتبرة إياها لحظة سياسية وتنظيمية فارقة في تاريخ الحزب، ودليلا على نضج ممارسته الديمقراطية الداخلية، وعلى المكانة التي أصبحت تحتلها المرأة في مواقع القرار داخل الأحزاب السياسية المغربية، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها المملكة في مجال تعزيز المشاركة السياسية للنساء.
وانتقلت المتدخلة بعد ذلك إلى استعراض مسار تطور الحزب من خلال مؤتمراته الوطنية، مؤكدة أن هذه المحطات لم تكن مجرد استحقاقات تنظيمية، بل شكلت لحظات لتقييم التجربة، وتجديد الهياكل، وتطوير المشروع السياسي بما ينسجم مع التحولات الوطنية.

وأوضحت أن المؤتمر الوطني الأول أسفر عن انتخاب محمد الشيخ بيد الله أمينا عاما للحزب، وهي المرحلة التي انصبت أساساً على بناء الهياكل التنظيمية وترسيخ الحضور الوطني للحزب. أما المؤتمر الوطني الثاني، الذي انتخب خلاله مصطفى بكوري، فقد تميز بتوسيع الحضور الترابي للحزب وتعزيز أدائه المؤسساتي، في حين شهد المؤتمر الوطني الثالث انتخاب إلياس العماري، وهي مرحلة اتسمت بحضور سياسي وإعلامي قوي وتزامنت مع استحقاقات انتخابية بارزة.
وأضافت أن المؤتمر الوطني الرابع أفرز انتخاب عبد اللطيف وهبي أمينا عاما، وهي مرحلة ركز خلالها الحزب على إعادة ترتيب البيت الداخلي، وتعزيز الحوار الداخلي، والانفتاح على مختلف الفاعلين السياسيين، بينما شكل المؤتمر الوطني الخامس محطة تاريخية بانتخاب قيادة جماعية تنسق عملها فاطمة الزهراء المنصوري في سابقة تعكس تطور الممارسة الديمقراطية الداخلية وتجسد المكانة المتقدمة التي أصبحت تحتلها المرأة داخل الحزب.
وأكدت الوهابي أن تعاقب هذه القيادات لم يؤثر في ثبات المرجعيات الكبرى للحزب، بل عكس قدرته على التداول الديمقراطي على المسؤولية، وتجديد نخبه، وتطوير آليات اشتغاله، مع الحفاظ على استمرارية مشروعه السياسي وخطه الإصلاحي.
كما توقفت عند مختلف المراحل التي بصمت حضور الحزب في المشهد السياسي، موضحة أنه راكم تجربة مهمة من موقع المعارضة، حيث أسهم في إغناء النقاش العمومي، وقدم عددا من المبادرات والمقترحات المرتبطة بالإصلاح السياسي والتنمية، قبل أن ينتقل إلى تحمل المسؤولية من خلال المشاركة في الأغلبية الحكومية.
وأبرزت أن المشاركة في تدبير الشأن العام تمثل الاختبار الحقيقي لأي حزب سياسي، لأنها تنقل البرامج والتصورات من مستوى الخطاب إلى مستوى الإنجاز، وهو ما يجعل الأحزاب مطالبة بالجمع بين قوة الاقتراح ونجاعة التنفيذ، والاستجابة لانتظارات المواطنات والمواطنين في مختلف المجالات.
وفي ختام مداخلتها، شددت الدكتورة الوهابي على أن تجربة حزب الأصالة والمعاصرة استطاعت، خلال فترة وجيزة نسبياً، أن تفرض حضورها ضمن الفاعلين الأساسيين في المشهد السياسي المغربي، بفضل مشروعها القائم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية الوطنية والانفتاح على قيم العصر، وبين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وأكدت أن مستقبل الحزب، شأنه شأن باقي الأحزاب الوطنية، يظل مرتبطا بقدرته على مواصلة تجديد نُخبه، وتعزيز الديمقراطية الداخلية، وتطوير أدائه التنظيمي، وتقوية حضوره الميداني، والإنصات لتطلعات المواطنات والمواطنين، وتحويل مبادئه وبرامجه إلى سياسات ومبادرات ملموسة، بما يسهم في ترسيخ النموذج الديمقراطي والتنموي الذي تنشده المملكة، ويعزز مكانة الحزب كقوة سياسية وطنية مسؤولة وفاعلة في خدمة الوطن والمواطن.
وعقب انتهاء العرض، فتح باب النقاش، حيث شهد اللقاء تفاعلا واسعا من قبل الحاضرات والحاضرين، الذين نوهوا بأهمية الموضوع وبغنى العرض الذي قدمته الدكتورة زهور الوهابي، معتبرين أن استحضار مسار حزب الأصالة والمعاصرة، والوقوف عند مرتكزاته الفكرية والسياسية والتنظيمية، يسهم في تعميق الوعي الحزبي وتقوية ثقافة الانتماء لدى المناضلات والمناضلين.

وتناولت المداخلات عددا من القضايا المرتبطة بتجربة الحزب، من بينها سبل تعزيز التأطير السياسي، وآليات تجديد النخب، وتطوير أساليب التواصل الحزبي، وتقوية حضور الشباب والنساء داخل مختلف الهياكل التنظيمية، إلى جانب استشراف التحديات التي تفرضها التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والدور الذي ينبغي أن تضطلع به الأحزاب الوطنية في مواكبتها لكل المبادرات والأصوات (جيل Z نموذجا).
كما أكد عدد من المتدخلين أن المشروع المجتمعي لحزب الأصالة والمعاصرة يفرض مواصلة الانفتاح على مختلف الكفاءات والطاقات الوطنية، والحرص على تطوير الأداء التنظيمي والتواصلي، بما ينسجم مع انتظارات المواطنات والمواطنين، ويسهم في تعزيز الثقة في العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وفي تفاعلها مع مختلف المداخلات، أكدت الدكتورة الوهابي أن النقاش الداخلي يشكل أحد مقومات قوة الحزب وحيويته، باعتباره فضاء لتبادل الرؤى والأفكار، وتقييم التجارب، وصياغة تصورات مشتركة لمواجهة التحديات المستقبلية.
كما شددت على أن الاستثمار في التكوين والتأطير السياسي يظل من أهم الرهانات الكفيلة بإعداد أطر حزبية مؤهلة وقادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها المملكة، والانخراط المسؤول في مختلف الأوراش التنموية والإصلاحية.
وخلال اللقاء، عبر الحاضرون عن خالص تهانيهم لعبد اللطيف الغلبزوري، الأمين الجهوي لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة، بمناسبة نيله ثقة اللجنة الوطنية للانتخابات للترشح باسم الحزب عن دائرة طنجة- أصيلة في الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، معتبرين أن هذه الثقة تعكس ما راكمه من تجربة تنظيمية وسياسية، ومتمنين له كامل التوفيق في هذه المحطة الانتخابية.
كما شكل اللقاء مناسبة للاحتفاء بالمشاركات والمشاركين في اللقاء التلاميذي الوطني الأول الذي نظمته منظمة شباب الأصالة والمعاصرة لفائدة تلميذات وتلاميذ السلك الثانوي التأهيلي، حيث جرى توزيع شواهد تقديرية عليهم، تثمينا لانخراطهم الجاد ومشاركتهم الفاعلة في هذا الموعد التكويني، وتشجيعا لهم على مواصلة الاهتمام بالشأن العام، وترسيخ قيم المواطنة، والمشاركة الإيجابية، والوعي السياسي والمدني.










مراد بنعلي