من خلال تجربتي في العمل الحزبي بمدينة مراكش، وبالخصوص بمقاطعة سيدي يوسف بن علي، أصبحت أكثر اقتناعاً بأن التنظيم الحزبي الحقيقي لا يُقاس بعدد المنخرطين ولا بحجم الحضور خلال الاستحقاقات الانتخابية، وإنما بقدرته على البناء والاستمرار والصمود.
لقد كنت، إلى جانب عدد من المناضلين، ممن ساهموا في تأسيس أمانة محلية لحزب الأصالة والمعاصرة بسيدي يوسف بن علي، وهي تجربة امتدت قرابة ثلاث أو أربع سنوات، حاولنا خلالها أن نجعل من التنظيم فضاءً للتأطير والتواصل والانفتاح على مختلف فئات المجتمع، بعيداً عن منطق المناسبات والانتخابات.
لم تكن الطريق سهلة. واجهنا إكراهات متعددة، واختلافات في الرؤى، وضغوطاً وصعوبات تنظيمية وسياسية، لكن ما يحسب لهذه التجربة أنها صمدت طويلاً ولم تسقط عند أول اختبار. فقد كان الإيمان بفكرة التنظيم، وبأهمية الحضور الميداني، أقوى من كثير من العوائق التي واجهتنا.
ومن هذه التجربة تعلمت أن بناء التنظيم أصعب بكثير من بناء صورة انتخابية عابرة؛ وأن العمل الحزبي الحقيقي يحتاج إلى نفس طويل، وإلى أشخاص يؤمنون بالمشروع قبل أن يبحثوا عن المواقع.
مراكش تحتاج إلى أحزاب قوية
إن قوة المدينة لا تُقاس فقط بحجم مشاريعها أو بعدد منتخبيها، وإنما أيضاً بجودة النقاش السياسي الذي يجري حول مستقبلها. ومراكش، بما لها من مكانة وطنية ودولية، تحتاج إلى تنظيمات سياسية قادرة على مواكبة التحولات التي تعرفها، وإنتاج خطاب محلي يتجاوز الحسابات الانتخابية الضيقة.
أما سيدي يوسف بن علي، فتحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى سياسة قريبة من المواطن، وإلى تنظيمات تستمع أكثر مما تتحدث، وتعمل أكثر مما تستعرض، وتبني المؤسسات بدل الأشخاص.
وهنا تحديداً أستحضر تجربتنا في بناء التنظيم المحلي؛ فقد كان الرهان دائماً هو أن يكون الحزب حاضراً بين الناس، لا فقط أمام صناديق الاقتراع. فالتأطير السياسي الحقيقي يبدأ من الإنصات، ويمر عبر التواصل والتكوين، وينتهي بتحويل انتظارات المواطنين إلى مواقف ومبادرات ومقترحات.
وفي النهاية، فإن التحدي الحقيقي أمام التنظيم الحزبي في سيدي يوسف بن علي ليس فقط الفوز في الانتخابات، وإنما بناء ثقة المواطن في العمل السياسي.
فالانتخابات قد تمنح حزباً مقعداً، لكن التنظيم الجيد هو الذي يمنحه الاستمرارية، والمصداقية هي التي تمنحه ثقة المواطنين. ولذلك، ينبغي ألا تكون المرحلة المقبلة مجرد سباق نحو التزكيات واللوائح الانتخابية، بل فرصة لإعادة بناء العمل الحزبي المحلي على أساس الكفاءة، والانضباط التنظيمي، والديمقراطية الداخلية، والقرب من المواطنين، وربط المسؤولية السياسية بالنتائج.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى أحزاب تفوز في الانتخابات، وإنما إلى أحزاب قادرة على أن تظل حاضرة وفاعلة بعد انتهاء الانتخابات.
واليوم، وأنا عضو بالمجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، أجد نفسي أكثر التزاماً بمسؤولية دعم مشروع الحزب ومرشحيه، وخاصة الأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري، التي أعتبرها نموذجاً حياً للمرأة المغربية القوية، التي اختارت أن تخوض غمار السياسة في واجهة المشهد، وأن تواجه العواصف بدل أن تبحث عن الطريق الأسهل.
لقد تعرضت، مثل كثير من النساء اللواتي يخترن الحضور في المجال العام، لأشكال مختلفة من التنقيص والاستهداف، وأحياناً لحملات لا علاقة لها بالنقد السياسي بقدر ما تعكس عقلية لا تزال تجد صعوبة في تقبل المرأة القوية والمستقلة في مواقع القرار.
لكن قوة المواقف لا تُقاس بحجم العواصف، وإنما بقدرة صاحبها على الاستمرار بعدها.
ولهذا فإن دعمي اليوم ليس مجرد التزام تنظيمي عابر، بل هو امتداد لقناعة تشكلت عبر سنوات من العمل والتجربة: أن التنظيم الذي نؤمن به يجب أن ندافع عنه، وأن مناضليه وقياداته ومرشحيه يستحقون أن يجدوا فينا الثبات نفسه الذي كنا ننتظره من التنظيم في أصعب لحظاته.
وفي السياسة، قد تختلف التقديرات، وتتغير المواقع، وتتبدل الظروف، لكن يبقى الموقف الحقيقي هو الذي تستطيع أن تدافع عنه وأنت واقف، لا وأنت تبحث عن مبررات للانحناء أمام العاصفة.