في السياسة، لا تمنح الشرعية من خارج المؤسسات، ولا تستعار من حزب آخر، ولا توزع عبر خطابات الوصاية والوصاية المضادة. الشرعية السياسية تبنى بالقانون، وتتجدد بالممارسة، ويمنحها في النهاية المواطنون عبر صناديق الاقتراع.
ومن هذه القاعدة البسيطة والواضحة، يمكن قراءة المسار الذي قطعه حزب الأصالة والمعاصرة، وصولا إلى تصدره نتائج الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026.
فالأصالة والمعاصرة ليس في حاجة اليوم إلى من يعرفه بنفسه، ولا إلى من يمنحه شهادة اعتراف بوجوده السياسي.
وجوده أصبح حقيقة مؤسساتية وسياسية، ونتائج الانتخابات الأخيرة جاءت لتؤكد حضوره داخل المشهد الحزبي المغربي.
فقد تصدر الحزب النتائج المعلنة من طرف وزارة الداخلية بحصوله على 97 مقعدا من أصل 395 بمجلس النواب، متقدما على كل الأحزاب.
وهذه النتيجة ليست مجرد رقم عابر في جدول انتخابي، بل هي معطى سياسي صادر عن صناديق الاقتراع، وهي الجهة التي يفترض أن تحتكم إليها جميع القوى السياسية عندما يتعلق الأمر بتحديد أحجامها ومواقعها داخل الخريطة الحزبية المغربية.
لقد اعتاد بعض السياسيين، خصوصا في لحظات التنافس الانتخابي، أن يتعامل مع الأصالة والمعاصرة وكأنه حزب يحتاج باستمرار إلى إذن من الآخرين كي يكون موجودا، أو أن بعض الأحزاب تمتلك حق مساءلته حول نشأته ومساره أكثر مما تسمح به قواعد التنافس الديمقراطي.
غير أن السؤال الحقيقي اليوم ليس: من سمح للأصالة والمعاصرة بأن يوجد؟ بل: ماذا قالت صناديق الاقتراع بشأن موقعه؟.
والجواب جاء واضحا في انتخابات 2026: المغاربة وضعوا الحزب في المرتبة الأولى وفق النتائج الرسمية المعلنة. وهذه الحقيقة لا تحتاج إلى تأويل حزبي، ولا إلى شهادة من منافس، ولا إلى تزكية من خصم سياسي.
ومن هنا، فإن بعض المواقف التي تنصب نفسها حكما على تاريخ الحزب ونشأته، أو تحاول احتكار حق الحديث عن قربه من المغاربة، تستحق وقفة سياسية هادئة ولكن حازمة. فالقرب من المواطنين ليس ملكية فكرية لحزب دون آخر، ولا يمكن لأي تنظيم سياسي أن يدعي أنه وحده يمثل الشارع أو يحتكر الحديث باسمه. المواطن المغربي هو صاحب الكلمة الفصل، وهو الذي يمنح الأصوات ويسحبها، وهو الذي يعيد ترتيب الخريطة السياسية في كل استحقاق.
الأكثر إثارة للانتباه أن بعض الخطابات التي تتحدث كثيرا عن الديمقراطية والتعددية تقبل بهذه المبادئ فقط عندما تكون النتائج في صالحها، بينما تتحول إلى خطاب وصائي عندما تصعد قوة سياسية أخرى وتفرض حضورها عبر صناديق الاقتراع.
وهنا يصبح من المشروع التساؤل: هل الديمقراطية تعني قبول إرادة الناخب فقط عندما توافق الحسابات الحزبية، أم تعني احترام النتائج حتى عندما تعيد ترتيب موازين القوى؟.
إن محاولة احتكار المشروعية السياسية أو توزيع شهادات الانتماء إلى المجتمع على الأحزاب ليست ممارسة ديمقراطية. كما أن الاستمرار في محاكمة الأصالة والمعاصرة على لحظة نشأته، بدل مناقشة برنامجه وأدائه ونتائجه وخياراته السياسية وقربه من المغاربة، لا يغير من واقع أن الحزب أصبح مكونا راسخا في الحياة السياسية المغربية، وأن صناديق الاقتراع منحته في انتخابات 2026 المرتبة الأولى.
والأهم أن هذه النتيجة لا تعني نهاية النقاش، بل بدايته. فتصدر الانتخابات مسؤولية قبل أن يكون امتيازا، وتكليف قبل أن يكون احتفالا، والمرتبة الأولى تضع الحزب أمام امتحان أكبر يتعلق بقدرته على تحويل الثقة الانتخابية إلى سياسات عمومية، والوفاء بالالتزامات التي قدمها للناخبين، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة.
أما أولئك الذين يصرون على ممارسة نوع من “الرقابة السياسية” على وجود الحزب، أو يتصرفون وكأن لهم وحدهم حق تحديد من يحق له الاقتراب من المغاربة ومن لا يحق له، فإن صناديق الاقتراع قدمت لهم جوابا ديمقراطيا لا يحتاج إلى كثير من الشرح: المجال السياسي ملك للمغاربة جميعا، والتنافس فيه مفتوح أمام الأحزاب التي تحترم القانون، أما تحديد مواقعها وأحجامها فمهمة الناخبين، لا الأحزاب المنافسة.
لقد قال المغاربة كلمتهم في 23 شتنبر 2026، وأعادوا ترتيب المشهد الحزبي، فتصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا وفق النتائج الرسمية.
ومن حق كل حزب أن يعارض، وأن ينتقد، وأن يناقش، وأن يقدم بديلا. لكن ليس من حق أي حزب أن يتحول من منافس انتخابي إلى وصي على شرعية حزب آخر، أو أن ينصب نفسه حارسا على علاقة هذا الحزب بالمغاربة.
الأصالة والمعاصرة لا يحتاج إلى اعتراف من خصومه بوجوده، اعترافه الحقيقي جاء من صناديق الاقتراع، ولا يحتاج إلى شهادة من منافسيه حول قربه من المواطنين، فالناخبون هم من يمنحون هذه الشهادة يوم الاقتراع.
أما المستقبل، فسيظل رهينا بقدرة الحزب، كما هو شأن جميع الأحزاب، على تحويل هذه الثقة إلى عمل سياسي ومؤسساتي يستجيب لانتظارات المغاربة.
تلك هي الديمقراطية: أن تختلف، وأن تنافس، وأن تنتقد، ولكن أن تحترم في النهاية إرادة الناخبين، وما عدا ذلك ليس دفاعا عن الديمقراطية، بل محاولة لوضع الوصاية عليها.
بقلم: إبراهيم الصبار