يضع؛ البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 إدماج الشباب ضمن الأولويات الاستراتيجية للولاية الجديدة، من خلال مقاربة تربط بين التكوين والتشغيل والمواكبة الاجتماعية، وتستهدف الانتقال من تشخيص التحديات التي تواجه هذه الفئة إلى إرساء آليات عملية توسع فرص الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، وتمنح الشباب إمكانات أكبر لبناء مساراتهم المهنية والإسهام في التنمية الوطنية.
ويعكس هذا التوجه تقاطعا واضحا بين الأولويات التي حملها البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة والتوجهات التي يتضمنها البرنامج الحكومي، خاصة فيما يتعلق بتوسيع فرص الشغل، وتعزيز التكوين الملائم لحاجيات الاقتصاد، ومواكبة المبادرات المقاولاتية، وتيسير ولوج الشباب إلى الفرص الاقتصادية، ويأتي ذلك في إطار التزامات الأغلبية الحكومية الرامية إلى تحويل انتظارات المواطنين إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
وتكتسب هذه الأولوية أهميتها بالنظر إلى المعطيات التي عرضتها رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري في تصريحها أمام البرلمان، والتي تشير إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، فيما تبلغ نسبة البطالة لدى الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة، ويغادر نحو 300 ألف تلميذ مقاعد الدراسة سنويا دون تأهيل.
وأمام هذه التحديات، يتجه البرنامج الحكومي نحو إرساء سياسة مندمجة تواكب الشباب في مختلف مراحل مسارهم، انطلاقا من التعليم والتكوين، وصولا إلى الاندماج المهني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، بما يجعل تحسين فرص الشباب رهانا مشتركا بين إصلاح المنظومة التعليمية وتطوير التكوين المهني وتحفيز الاستثمار المنتج.
وفي هذا السياق، يشكل البرنامج الوطني للمواكبة الاجتماعية الترابية، المرتقب إطلاقه ابتداء من سنة 2027، أحد أبرز التدابير التي أعلن عنها التصريح الحكومي، ويستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من أول تجربة مهنية، إلى جانب رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
وتبرز أهمية هذه الإجراءات في سعيها إلى تعزيز الصلة بين التكوين ومتطلبات سوق الشغل، وتوسيع فرص اكتساب التجربة المهنية الأولى، التي تمثل إحدى أبرز الصعوبات التي تواجه الشباب الباحثين عن عمل، كما يعكس رفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج توجها نحو تنويع المسارات المؤدية إلى التشغيل، وعدم حصر الإدماج المهني في المسارات التعليمية التقليدية.
ولا ينفصل هذا التوجه عن الرهان على المقاولات باعتبارها فضاء أساسيا لإحداث فرص الشغل، فقد أعلن البرنامج الحكومي عن مواكبة 60 ألف مقاولة، من خلال الاحتضان وتيسير التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، بما يدعم استمرارية المقاولات وتطورها، ويعزز قدرتها على خلق فرص العمل.
كما يتضمن البرنامج تفعيل جواز الحركية المهنية لفائدة الأشخاص الذين يجدون فرص عمل خارج مناطق إقامتهم، إلى جانب إحداث برنامج للمساكن المعدة للكراء بأسعار مناسبة، في خطوة تستهدف تخفيف بعض العوائق التي قد تحول دون التحاق الشباب بفرص الشغل المتاحة في مناطق أخرى.
وتتكامل هذه التدابير مع توجه أوسع يروم تحسين جودة التعليم والحد من الهدر المدرسي، إذ يلتزم البرنامج الحكومي بالعمل على بلوغ نسبة لا تقل عن 80 في المائة من التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية في أفق سنة 2031، فضلا عن تحقيق هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” بحلول سنة 2030، عبر الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بالانقطاع، والتتبع الفردي لمساراتهم، وتوجيه المنقطعين نحو حلول بديلة تشمل إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو التكوين بالتدرج.
ويؤسس هذا التكامل بين التعليم والتكوين والتشغيل لمقاربة تتجاوز المعالجة الجزئية لمشكلة البطالة، نحو العمل على جذورها، من خلال تحسين التأهيل، وتوسيع فرص اكتساب المهارات، وتوفير مسارات أكثر تنوعا للاندماج الاقتصادي.
ومن زاوية حزب الأصالة والمعاصرة، تتيح هذه التوجهات مجالا عمليا للإسهام في تنزيل الالتزامات الانتخابية المرتبطة بالشباب، من خلال العمل داخل الأغلبية الحكومية على دعم السياسات التي توسع فرص التكوين والشغل، وتعزز المبادرة المقاولاتية، وتيسر الاندماج الاجتماعي والاقتصادي لهذه الفئة، فمركزية الشباب في البرنامج الحكومي لا تتحدد فقط بإفراد محور خاص بهم، بل كذلك بحضور قضاياهم ضمن إصلاح التعليم، وتحفيز الاستثمار، وتطوير الاقتصاد الرقمي، وتعزيز العدالة المجالية.
إن الرهان الأساسي خلال الولاية الحكومية الجديدة يتمثل في تحويل هذه التدابير إلى فرص فعلية يلمس الشباب أثرها في مساراتهم اليومية، سواء من خلال الحصول على تكوين ملائم، أو الولوج إلى أول تجربة مهنية، أو إطلاق مشروع مقاولاتي، أو الاستفادة من فرص الشغل خارج مجال الإقامة، وهي أهداف تجعل نجاح السياسات الموجهة للشباب مرتبطا بمدى التنسيق بين القطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين والترابيين، وبقدرة البرامج المعلنة على الاستجابة لحاجيات الشباب في مختلف جهات المملكة.
وبذلك، يشكل إدماج الشباب أحد المداخل الأساسية لتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، كما يفتح أمام حزب الأصالة والمعاصرة مجالا لمواصلة العمل على ترجمة التزاماته الانتخابية إلى تدابير عملية، ضمن برنامج حكومي يجعل تمكين الشباب وتعزيز مشاركتهم في التنمية الوطنية جزءا من أولوياته خلال الفترة 2026-2031.
سارة الرمشي