بقلم: محمد عاطف الزربوح
لم يكن رد رئيسة الحكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري على مداخلات الفرق والمجموعات البرلمانية بشأن البرنامج الحكومي مجرد جواب سياسي عابر، بل شكل لحظة كاشفة عن مستوى عال من النضج السياسي، والتمكن من آليات العمل الحكومي، والقدرة على تدبير النقاش العمومي بمنطق المسؤولية والثقة والوضوح.
لقد أبانت رئيسة الحكومة عن كفاءة سياسية لافتة في تفكيك مختلف القراءات والتقييمات التي قدمتها مكونات المؤسسة التشريعية، مستندة إلى معرفة دقيقة بدواليب الشأن الحكومي، وإدراك عميق لطبيعة التحديات المطروحة، وقدرة على التمييز بين النقد الذي يغني التجربة الحكومية والخطاب الذي تحكمه الحسابات السياسية الضيقة.
وهي بذلك لم تكتف بالدفاع عن البرنامج الحكومي، بل قدمت نموذجاً في كيفية ممارسة السلطة السياسية القائمة على الحجة والإقناع، بعيدا عن منطق الانفعال أو الهروب إلى خطاب التبرير.
والأقوى في هذا الأداء أنه عكس شخصية سياسية مشبعة بروح النضال، تدرك أن المسؤولية الحكومية ليست امتيازا سياسيا، وإنما التزام تجاه المواطنين ومصالحهم وانتظاراتهم.
فالكفاءة الحقيقية لا تقاس فقط بامتلاك المعلومة أو القدرة على عرض المنجزات، بل أيضا بالاستعداد لمواجهة الأسئلة الصعبة، والتفاعل مع الانتقادات، وتحويل الاختلاف إلى فرصة لتجويد السياسات العمومية وتعزيز الثقة في المؤسسات.
كما جسدت المنصوري، من خلال هذا النقاش، ثقافة ديمقراطية تؤمن بأن الاختلاف ليس تهديدا للاستقرار السياسي، وأن المعارضة ليست خصما ينبغي إقصاؤه، بل مكونا أساسيا في البناء الديمقراطي، وأن الحوار المسؤول وتقبل النقد يشكلان مدخلا ضروريا لتصحيح الاختلالات والارتقاء بالأداء الحكومي.
فالديمقراطية لا تختبر في لحظات التوافق، وإنما تتجلى حقيقتها حين تتعدد الآراء وتتباين المواقف وتشتد حدة النقاش.
إن ما يميز هذا الأداء هو الجمع بين قوة الدفاع عن الاختيارات الحكومية والانفتاح على النقاش البرلماني، وبين الثقة في الموقف السياسي واحترام المؤسسات الدستورية، وهي معادلة لا ينجح في تحقيقها إلا من يمتلك أدوات الممارسة السياسية الواعية، ويستوعب أن تدبير الشأن العام يقتضي الجرأة في القرار، والوضوح في الخطاب، والقدرة على الإنصات والمراجعة.
إن فاطمة الزهراء المنصوري، في هذا المقام، لم تدافع عن برنامج حكومي فحسب، بل قدمت صورة عن السياسة حين ترتقي من مجرد تدافع حزبي إلى ممارسة ديمقراطية مسؤولة، يكون فيها الاحتكام إلى الحجة، واحترام الاختلاف، والانتصار للمصلحة العامة، أساسا لمشروعية القرار السياسي وقوة المؤسسات.