أكد الدكتور سمير بلفقيه، عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة، أن المغرب يعيش منذ أكثر من عقدين على وقع تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية ورقمية عميقة، فرضت واقعا جديدا يستدعي تجديد العمل السياسي وتطوير أداء الأحزاب والمؤسسات التمثيلية بما ينسجم مع انتظارات المواطنين ومتطلبات المرحلة.
واستعرض بلفقيه خلال مشاركته في اللقاء الفكري الذي نظمته مؤسسة الفقيه التطواني تحت عنوان “السياسة على إيقاع التحولات”، أبرز التحولات التي يشهدها المجتمع المغربي، وانعكاساتها على العمل الحزبي والثقة في المؤسسات، مؤكدا أن تجديد الممارسة السياسية وتقوية الأحزاب وتخليق الحياة العامة تمثل مداخل أساسية لترسيخ البناء الديمقراطي ومواكبة رهانات التنمية.

وأشار بلفقيه إلى أن المغرب لم يعد هو مغرب الثمانينيات أو التسعينيات، بعدما شهد تحولات ديمغرافية واجتماعية عميقة، من بينها تراجع معدل الخصوبة، وارتفاع نسبة التمدن، وتغير بنية الأسرة المغربية، واتساع التمدرس، والهجرة من العالم القروي نحو المدن، وهي متغيرات أفرزت انتظارات جديدة تتطلب سياسات عمومية أكثر نجاعة واستجابة.
وأضاف أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي غيرا بشكل جذري طرق التواصل وإنتاج المعرفة والوصول إلى المعلومة، الأمر الذي يفرض على الفاعل السياسي تطوير أدوات اشتغاله، لأن المواطن أصبح يتفاعل مع الشأن العام عبر فضاءات جديدة تختلف عن الوسائط التقليدية.
وسجل أن لهذه التحولات آثارا إيجابية، من بينها توسيع الحق في الولوج إلى المعلومات وتطور الأدوار داخل الأسرة المغربية، مقابل بروز تحديات جديدة، أبرزها تراجع بعض قيم التضامن الاجتماعي، وارتفاع نسب الطلاق، واهتزاز مكانة الهيئات الوسيطة، وعلى رأسها الأحزاب السياسية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني.
وأكد أن تراجع الثقة في الفاعل السياسي والمؤسسات الوسيطة ينعكس مباشرة على التنمية، لأن بناء المشاريع التنموية يحتاج إلى تعبئة مجتمعية وإيمان المواطنين بالمؤسسات، مشددا على أن الديمقراطية ليست مجرد استحقاقات انتخابية، بل مشروع مجتمعي متكامل يقوم على المشاركة المستمرة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وأوضح أن دستور سنة 2011 لم يكرس الديمقراطية التمثيلية فقط، بل عزز أيضا الديمقراطية التشاركية، عبر آليات وهيئات تتيح للمواطنين والمجتمع المدني الإسهام في إعداد وتتبع وتقييم السياسات العمومية، معتبرا أن توسيع فضاءات المشاركة يعزز الثقة ويقوي انخراط المواطنين في تدبير الشأن العام.
واعتبر بلفقيه أن مكانة الفاعل السياسي تظل محورية في قيادة هذا المسار، داعيا إلى الدفاع عن دور الأحزاب باعتبارها الإطار الطبيعي لتأطير المواطنين وصناعة الرأي العام والإسهام في تقديم الحلول للقضايا الوطنية، من قبيل تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، وإصلاح التعليم، والنهوض بالعالم القروي.
وأضاف أن وسائل التواصل الاجتماعي أفرزت واقعا جديدا، حيث أصبح عدد من المؤثرين يمارسون تأثيرا واسعا في تشكيل الرأي العام، بينما تراجع حضور الأحزاب في فضاءات التأطير، مشيرا إلى أن النقاش العمومي انتقل في كثير من الأحيان من التحليل والبحث إلى تداول الأخبار السريعة والإشاعات، وهو ما يفرض على الأحزاب استعادة دورها في إنتاج خطاب سياسي رصين وقادر على الإقناع.
وشدد على أن أي تعاقد سياسي جديد ينبغي أن ينطلق من تخليق الحياة السياسية، معتبرا أن هذا التخليق يمثل المدخل الأساسي لإعادة بناء الشرعية السياسية وتعزيز ثقة الناخبين في المؤسسات المنتخبة، مؤكدا أن الفاعل السياسي مطالب بأن يكون قدوة في النزاهة والاستقامة والكفاءة والقدرة على التحليل والتواصل.
واستحضر في هذا الإطار الدعوات الملكية المتكررة إلى تخليق الحياة العامة، معتبرا أن احترام القانون، وتكافؤ الفرص، وتفعيل آليات المراقبة والمحاسبة، تمثل الأساس لمعالجة مظاهر الفساد واستعمال المال في السياسة، مؤكدا أن مواجهة هذه الاختلالات ينبغي أن تتم في إطار دولة القانون والمؤسسات، دون تعميم أو تبخيس للعمل السياسي.
وأشار إلى أن الأحزاب كانت من بين أكثر المتضررين من استعمال المال في السياسة ومن حملات التشكيك، مؤكدا أن التجارب الحكومية المتعاقبة أبرزت صعوبة تدبير الشأن العام، لكنها وفرت أيضا فرصة لتقييم الأداء الحكومي بصورة موضوعية بعيدا عن الأحكام المسبقة.
ودعا إلى إعادة الاعتبار للتنظيمات الحزبية وتقوية أدوارها في التأطير والتعبئة، وعدم اختزال عملها في المحطات الانتخابية، مؤكدا أن قوة الأحزاب تقاس بقدرتها على مواكبة المواطنين بشكل مستمر، وتقديم برامج ورؤى واضحة، وخلق نقاش عمومي قائم على البدائل والحلول.
كما أبرز أهمية استعادة الجامعة والمدرسة العمومية لدورهما في إنتاج المعرفة وتأطير النقاش العمومي، إلى جانب الأحزاب، من أجل تكوين رأي عام واع قادر على فهم التحديات والمشاركة في صناعة القرار.
واختتم بلفقيه مداخلته بالتأكيد على أن مستقبل الديمقراطية بالمغرب رهين بأحزاب قوية ومتجددة، ومؤسسات تحظى بثقة المواطنين، وفاعلين سياسيين قادرين على مواكبة التحولات الرقمية والمجتمعية، بما يرسخ البناء الديمقراطي ويعزز المشروع التنموي للمملكة.




مراد بنعلي