في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، تبرز الحاجة اليوم إلى مبادرات ميدانية قادرة على إعادة بناء الثقة بين المواطن ومجالات المشاركة العمومية، خاصة في صفوف الشباب. ومن هذا المنطلق، تأتي مبادرة “أنا كاين” باعتبارها خطوة مواطنة تسعى إلى ترسيخ ثقافة الانخراط الإيجابي في الحياة العامة، عبر التحسيس بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره مدخلا أساسيا للمشاركة في صناعة القرار والمساهمة في بناء المستقبل.
إن أهمية هذه المبادرة لا تكمن فقط في بعدها التنظيمي أو التواصلي، بل في الرسالة الرمزية التي تحملها؛ فهي تنطلق من فكرة بسيطة وعميقة في الآن ذاته، مفادها أن المواطن لا يمكن أن يطالب بالتغيير وهو خارج دائرة الفعل والمشاركة. فالتسجيل في اللوائح الانتخابية ليس إجراء تقنيا معزولا، بل إعلان ضمني عن الحضور داخل المجال العمومي، وتأكيد على أن المواطن معني بمستقبل وطنه وبالاختيارات التي ترسم ملامحه السياسية والتنموية.
وتكتسي هذه المبادرة بعدا وطنيا مهما، لأنها اختارت أن تضع مسافة واضحة بين واجب التسجيل في اللوائح الانتخابية وبين حرية الاختيار السياسي. فالدعوة إلى التسجيل لا تعني توجيه المواطنين نحو حزب معين أو توجه سياسي محدد، بل هي دعوة صادقة لترسيخ وعي ديمقراطي يعتبر أن المشاركة حق دستوري وواجب وطني، بينما يظل التصويت واختيار الانتماء أو التوجه السياسي قرارا شخصيا وسياديا يعود لكل مواطن وفق قناعاته الخاصة.
ولعل ما يمنح المبادرة مصداقية أكبر هو أن منظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة اختارت بوعي ومسؤولية ألا تضع رمز الشبيبة أو الحزب في الحملة، في إشارة واضحة إلى أن الهدف الأساسي ليس تحقيق مكاسب سياسية ضيقة، بل ترسيخ ثقافة المشاركة المواطنة وتشجيع الشباب المغربي على التسجيل في اللوائح الانتخابية باعتباره واجبا وطنيا قبل أي اعتبار حزبي أو انتخابي. وهي رسالة سياسية ناضجة تؤكد أن الديمقراطية القوية تبدأ أولا من توسيع دائرة المشاركة، لا من توجيه اختيارات المواطنين.
كما أن تعميم المبادرة على مختلف أقاليم المملكة يمنحها بعدا مجتمعيا شاملا، ويؤكد أن الرهان اليوم لم يعد محصورا في المدن الكبرى فقط، بل يشمل أيضا العالم القروي والمناطق البعيدة التي تحتاج بدورها إلى تأطير سياسي ومدني يعزز الإحساس بالمواطنة والانتماء. فالتنمية الديمقراطية الحقيقية لا تتحقق إلا حين يشعر كل مواطن، أينما كان، أن صوته له قيمة وأن مشاركته يمكن أن تحدث الفرق.
وتأتي هذه المبادرة أيضا في لحظة تحتاج فيها الحياة السياسية إلى خطاب جديد أكثر قربا من المواطنين، خطاب يبتعد عن التخويف أو المزايدات، ويتجه نحو استعادة الثقة بلغة بسيطة وواقعية. فالشباب المغربي اليوم لا يرفض السياسة في جوهرها، بقدر ما يبحث عن نماذج ومبادرات تمنحه الإحساس بأن مشاركته ذات معنى وأن صوته قادر على التأثير في السياسات العمومية وفي مستقبل مجتمعه.
وفي الأخير، فإن نجاح مثل هذه المبادرات يبقى رهينا بقدرتها على الوصول إلى الناس بلغة صادقة وبعيدا عن الحسابات الضيقة، لأن الرهان الحقيقي اليوم ليس فقط رفع نسب التسجيل، بل بناء جيل جديد يؤمن بأن المشاركة ليست امتيازا، وإنما مسؤولية جماعية تساهم في حماية المسار الديمقراطي وتعزيز استقرار الوطن وتقدمه.
عزالدين إزيان