لم يكن تعيين سمير بلفقيه وزيرا لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والناطق الرسمي باسم الحكومة، مجرد محطة جديدة في مساره المهني والسياسي، بل انتقالا إلى موقع تتقاطع فيه الخبرة الأكاديمية والتجربة البرلمانية والعمل الحزبي مع مسؤولية تدبير ملفات ترتبط مباشرة بحياة المواطنين وبمستقبل المجالات الترابية والمدن المغربية.
ففي التشكيلة الحكومية الجديدة، التي ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس مراسيم تعيين أعضائها يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026 بالقصر الملكي بالرباط، أسندت إلى بلفقيه حقيبة وزارية تجمع بين قطاعات أساسية في السياسات العمومية، هي إعداد التراب والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، إلى جانب مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة، بما تحمله من مسؤولية في التواصل مع الرأي العام وتوضيح توجهات العمل الحكومي.
ينتمي سمير بلفقيه إلى فئة الفاعلين الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي والانخراط في الممارسة السياسية والمؤسساتية.
وقد برز اسمه داخل حزب الأصالة والمعاصرة، الذي ارتبط به في محطات تنظيمية وسياسية متعددة، كما راكم تجربة في العمل البرلماني خلال الولاية التشريعية 2011–2016، حين انتخب عضوا بمجلس النواب ضمن فريق الحزب عن اللائحة الوطنية.
وخلال تجربته البرلمانية، اشتغل بلفقيه في لجنة الداخلية والجماعات الترابية والسكنى وسياسة المدينة، وهي لجنة تتقاطع اختصاصاتها مع جزء مهم من المسؤوليات التي سيتولاها اليوم من موقعه الحكومي.
كما ارتبطت تجربته البرلمانية بالاهتمام بقضايا إصلاح المنظومة التربوية وتطوير التعليم العالي، إلى جانب ملفات اقتصادية واجتماعية وبيئية.
ولم يقتصر مساره على العمل السياسي، إذ ارتبط اسمه كذلك بالمجال الأكاديمي والتدبير الجامعي. ففي دجنبر 2022، عين مديرا للمدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بالرباط، التابعة لجامعة محمد الخامس، وهو المنصب الذي أتاح له الاشتغال في محيط يرتبط بالتكوين الهندسي والبحث العلمي وتطوير الكفاءات.
ويشكل هذا المسار أحد الجوانب البارزة في تجربته، بالنظر إلى ما يطرحه تدبير المؤسسات الجامعية من تحديات مرتبطة بالجودة والابتكار والملاءمة بين التكوين وحاجيات الاقتصاد.
أما على المستوى الحزبي، فقد شغل بلفقيه مسؤوليات تنظيمية داخل حزب الأصالة والمعاصرة، وكان من الأسماء التي ارتبطت بالنقاشات السياسية والتنظيمية داخل الحزب.
كما انخرط في النقاش العمومي بشأن مستقبل العمل السياسي، ودور الأحزاب في الوساطة بين المؤسسات والمواطنين، والتحديات التي فرضتها التحولات الرقمية وتراجع الثقة في عدد من آليات التأطير التقليدية.
وفي مداخلاته خلال سنة 2026، ركز بلفقيه على ضرورة تجديد أدوات اشتغال الأحزاب، والانتقال من التعبئة الموسمية المرتبطة بالانتخابات إلى المشاركة المواطنة المستمرة، معتبرا أن التحولات التي يعرفها المجتمع تفرض تطوير أساليب التواصل والتأطير، وإشراك المواطنين في صياغة الفعل العمومي.
وهي قضايا تضع العمل السياسي أمام سؤال أساسي: كيف يمكن تحويل البرامج والالتزامات إلى نتائج ملموسة يشعر المواطن بأثرها في حياته اليومية؟.
اليوم، يجد بلفقيه نفسه أمام مسؤولية حكومية تتجاوز التدبير الإداري التقليدي، بالنظر إلى طبيعة القطاعات التي أسندت إليه.
فإعداد التراب الوطني يطرح تحديات التوازن بين المجالات، والحد من الفوارق المجالية، وتحسين توزيع التجهيزات والخدمات؛ بينما يظل التعمير مرتبطا بإشكالات التخطيط الحضري، وضبط التوسع العمراني، وتحسين ظروف العيش العيش داخل المدن.
أما الإسكان وسياسة المدينة، فيتصلان بانتظارات اجتماعية واقتصادية واسعة، تشمل الولوج إلى السكن اللائق، وتأهيل الأحياء، وتطوير الفضاءات الحضرية، وتعزيز جاذبية المدن واستدامتها.
وإلى جانب هذه الملفات، يضعه منصب الناطق الرسمي باسم الحكومة أمام مهمة التواصل بشأن القرارات والتوجهات الحكومية، وتقديم المعطيات للرأي العام، وتوضيح السياسات العمومية في سياق تتزايد فيه الحاجة إلى المعلومة الدقيقة والتواصل المنتظم والشفاف.
وبين الجامعة والبرلمان والحزب والحكومة، تتعدد المحطات التي طبعت المسار المهني والسياسي لبلفقيه، غير أن الانتقال إلى المسؤولية الوزارية يفتح مرحلة مختلفة، يصبح فيها معيار العمل مرتبطا بما ستسفر عنه السياسات والإجراءات من نتائج قابلة للقياس، وبمدى القدرة على الاستجابة للإشكالات المطروحة في مجالات التعمير والإسكان وإعداد التراب الوطني.
إن التحدي المطروح أمام الوزير الجديد لا يتعلق فقط بتدبير القطاعات المسندة إليه، بل أيضا بترجمة التوجهات العامة إلى برامج واضحة، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات والمتدخلين، وربط التخطيط الترابي بالحاجيات الفعلية للمواطنين.
أما في مجال التواصل الحكومي، فتظل المصداقية والوضوح والانتظام في تقديم المعلومة عناصر أساسية لبناء علاقة قائمة على الثقة بين الحكومة والرأي العام.
وهكذا، يدخل بلفقيه مرحلة جديدة من مساره، ينتقل فيها من فضاءات الجامعة والعمل البرلماني والحزبي إلى واجهة التدبير الحكومي، حاملا مسؤولية ملفات استراتيجية تتطلب الجمع بين الرؤية والتخطيط والقدرة على التنفيذ.
وستكون حصيلة عمله في هذه القطاعات، ومدى انعكاسها على جودة السكن والمجال الحضري والتوازن الترابي، من أبرز المؤشرات التي ستحدد ملامح تجربته الوزارية.
إبراهيم الصبار