لم؛ يختر حزب الأصالة والمعاصرة أن تكون أولى رسائله مع انطلاق الحملة الانتخابية مجرد استعراض للمرشحين أو تقديم للبرامج، بل دفع بالشباب إلى الواجهة، من خلال مبادرة “أنا كاين ـ صوت”، التي أطلقتها منظمة شباب الحزب، يوم الخميس 10 شتنبر 2026 بالرباط، في لقاء وطني ترأسه عضو القيادة الجماعية للأمانة العامة للحزب محمد المهدي بنسعيد، بحضور عدد من قيادات الحزب ووزرائه.
ويحمل الشعار أكثر من مجرد دعوة إلى المشاركة في الاستحقاق الانتخابي؛ فهو يضع مسألة حضور الشباب وتأثيرهم في الحياة العامة في صلب النقاش، ويقدم المشاركة السياسية باعتبارها امتدادا طبيعيا لحضور هذه الفئة في المجتمع، لا مجرد رهان ظرفي تفرضه الانتخابات.
ومن هذه الزاوية، حاول البام أن يجعل من ملف الشباب مدخلا لعرض جزء أساسي من اختياراته الانتخابية، خصوصا فيما يتعلق بالتكوين والتشغيل وفتح فرص جديدة أمام الأجيال الصاعدة.

وخلال اللقاء، قدم بنسعيد تصور الحزب لهذا الملف، مؤكدا أن الشباب يحتلون موقعا مركزيا داخل البرنامج الانتخابي، الذي قال إن نحو 80 في المائة من مضامينه ترتبط بإشكالات هذه الفئة وانتظاراتها.
وبحسب بنسعيد، فإن الرهان لا يتعلق فقط بتشخيص المشاكل التي تواجه الشباب، وإنما بامتلاك القدرة السياسية على تحويل الحلول المقترحة إلى سياسات عمومية، وفي هذا السياق، عاد إلى تجربة الحزب داخل الحكومة السابقة، معتبرا أن مشاركة وزراء البام مكنت من إطلاق عدد من المبادرات، لكنها ظلت محدودة بحكم موقع الحزب داخل التحالف الحكومي وعدم قيادته للحكومة.
ومن هنا جاء أحد أبرز العناوين السياسية التي حملها اللقاء؛ الوصول إلى قيادة الحكومة باعتباره شرطا لتنفيذ تصور شامل للإصلاح، فقيادات الحزب قدمت تجربتها السابقة باعتبارها فرصة لاكتشاف مكامن الخلل من داخل التدبير الحكومي، وفي الوقت نفسه مناسبة للوقوف على حدود ما يمكن إنجازه عندما لا تكون الأولويات الحكومية موضوعة بالكامل من طرف الحزب.
لكن ملف الشباب، كما ظهر من خلال مداخلات اللقاء، لا يبدأ من سوق الشغل فقط، فوزير التشغيل يونس السكوري وسع النقاش ليشمل المسار الذي يسبق الوصول إلى الوظيفة، معتبرا أن معالجة البطالة تقتضي أولا معالجة الاختلالات المرتبطة بالتكوين والانقطاع عن الدراسة.
وبالنسبة للسكوري، فإن الشاب الذي يغادر الدراسة دون أن يجد مسارا بديلا للتأهيل يظل أكثر عرضة لمواجهة صعوبات الاندماج الاقتصادي، لذلك انتقد محدودية الاستفادة من برامج الدعم والمنح الموجهة إلى الطلبة والمتكونين، مستشهدا بمعطى يفيد بأن حوالي 40 ألفا فقط من أصل 700 ألف طالب ومكون يستفيدون من المنحة.

ولم يكتف وزير التشغيل بتشخيص الإشكال، بل طرح أيضا تغييرا في طريقة التعامل مع مشاريع الشباب، داعيا إلى تجاوز التعقيدات المرتبطة بالتراخيص بالنسبة للمشاريع الصغرى والمتوسطة، وتعويضها بنظام أكثر وضوحا يقوم على دفاتر التحملات، بما يسمح للشباب بالانتقال من فكرة المشروع إلى التنفيذ بشكل أسرع.
وفي خلفية هذه المقاربة، بدا أن البام يحاول تقديم نفسه باعتباره حزبا يستفيد من تجربته الحكومية السابقة في صياغة وعود المرحلة المقبلة؛ وهي الفكرة التي شددت عليها كذلك وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة ليلى بنعلي.
فبالنسبة إلى بنعلي، البرنامج الانتخابي للحزب ليس مجرد وثيقة صيغت خارج تجربة التدبير، وإنما هو امتداد لما أفرزته المشاركة الحكومية من دروس واختلالات وحلول ممكنة، ومن هذا المنطلق، دافعت عن قابلية البرنامج للتنفيذ، رافضة اختزاله في سؤال التمويل دون النظر إلى الموارد التي يمكن تعبئتها لتحقيق أولوياته.

وفي تصورها، يشكل الإصلاح الضريبي إحدى الآليات الأساسية لتمويل السياسات الاجتماعية والاقتصادية المقبلة، من خلال إعادة توزيع جزء من الثروة وفرض إسهام أكبر على الأرباح الاستثنائية، خصوصا تلك التي تحققت في سياقات الأزمات.
وبذلك، لم تكن “أنا كاين ـ صوت” مجرد محطة شبابية معزولة في بداية الحملة الانتخابية، بل تحولت إلى مدخل لعرض تصور أوسع يريد الحزب من خلاله مخاطبة الشباب من بوابة أكثر ارتباطا بمشاكلهم اليومية.
وفي المقابل، أرادت قيادات البام أن تجعل من تجربتها الحكومية السابقة جزءا من حجتها الانتخابية، عبر التأكيد على أن ما تحقق خلال المشاركة في الحكومة يمثل أرضية لما يمكن إنجازه في حال الانتقال إلى موقع القيادة.
وهكذا، وضع البام أولى خطوات حملته الانتخابية على أرضية شبابية، جامعا بين رهانات التكوين والتشغيل والمبادرة الاقتصادية وبين وعد أوسع بإصلاح السياسات العمومية، في محاولة لتحويل شعار “أنا كاين ـ صوت” من عنوان لحظة انتخابية إلى رسالة سياسية حول موقع الشباب في مغرب المرحلة المقبلة.






سارة الرمشي