لا يمكن مقاربة شعيرة عيد الأضحى في بنيتها السوسيولوجية والاقتصادية الراهنة كحدث ديني معزول، بل هي في جوهرها اختبار دوري لقدرة الدولة ومؤسساتها التنفيذية على حماية التوازنات الاجتماعية وصون الكرامة الإنسانية. إن ما نشهده اليوم في الأسواق الوطنية علاوة على كونه اختلالا عابرا في ميزان العرض والطلب إلا أنه أيضا تجلٍّ صارخ لأزمة هيكلية في قنوات الوساطة، وانعكاس لعجز مركب في العقل التدبيري لقطاع الفلاحة الذي لم يستوعب بعد العمق الاستراتيجي للقرار السيادي الملكي السامي القاضي بإلغاء العيد السنة الماضية. لقد كان ذلك الإلغاء بمثابة هدنة بيئية واقتصادية فائقة الذكاء، ورسالة سياسية من أمير المؤمنين وحامي الملة والدين لإعادة ضبط البوصلة وحماية الأمن القومي الغذائي. ومع انتعاش القطيع الوطني ووفرة التساقطات المطرية هذه السنة، كان من المفترض أن يترجم هذا التعافي الطبيعي إلى انخفاض في الأسعار عبر سياسات استباقية، إلا أن الركون إلى المسكنات الظرفية أبقى الأزمة قائمة، مما يستدعي تدخلا جراحيا عاجلا يبدأ بمأسسة “بورصة” وطنية رقمية للمواشي، كمنصة سيادية تحدد الأسعار المرجعية مسبقا وتجرد المضاربين من سلاح التعتيم المعلوماتي وخلق الهلع السعري.
إن الخلل الحقيقي لا يكمن في الطبيعة ولا في ندرة القطيع، بل في المنظومة التدبيرية التي آثرت الركون إلى الحلول السهلة، مستعيضة عن بناء سلاسل إنتاج وطنية متينة بفتح باب الاستيراد العشوائي وضخ إعفاءات ضريبية في جيوب كبار المستوردين. هذا التوجه أسس لنوع من الريع المؤسساتي الذي يبتلع الأموال العمومية دون أن يصل أثرها الملموس إلى المواطن في أسفل السلسلة أو إلى المربي الصغير في المداشر. وفي ظل هذا الفراغ التنظيمي، تناسلت ظاهرة “الشناقة” ككائنات اقتصادية طفيلية تقتات من غياب هندسة فعلية للأسواق! ولمواجهة هذه الفوضى المجالية التي تكرسها الأسواق الأسبوعية العشوائية، يصبح لزاما التوجه نحو خلق منصات لوجستية جهوية ذكية، تعمل كقرى فلاحية منظمة تحت إشراف تعاونيات يقودها الشباب، لتسمح بالبيع المباشر من الكسّاب إلى المستهلك، مما يقطع الطريق على هوامش الربح الخيالية التي تنتزع في منتصف الطريق، ويضمن في الآن ذاته تدفقا عادلا للثروة نحو البادية المغربية.
ولأن العبء المالي للعيد يغرق الطبقات الهشة والمتوسطة في دوامة قروض الاستهلاك المنهكة، فإن ترك المواطن أعزل أمام جشع السوق يعكس غيابا مقلقا للابتكار المالي والتضامني في السياسات العمومية. إن استمرار هذا النزيف المادي يتطلب قطيعة مع الحلول الترقيعية، عبر تبني نظام السندات التضامنية أو ما يمكن تسميته سندات الأضحية الاجتماعية. وهو نظام ادخار مؤسساتي بشراكة مع القطاع البنكي يتيح للأسر برمجة اقتطاعات مرنة وميسرة على مدار العام، ليحول الشريحة الواسعة من المواطنين من ضحايا للضغط المالي الآني إلى قوة شرائية منظمة ومهيكلة، قادرة على ولوج السوق بكرامة ودون الخضوع لابتزاز السماسرة أو السقوط في فخ المديونية غير المنتجة التي ترهن مستقبل العائلات.
إن تفكيك المفارقة الصارخة بين جود الطبيعة وبؤس التدبير يضعنا في نهاية المطاف أمام الحقيقة السياسية العارية؛ فالأزمة لم تكن يوما أزمة غيث أو ندرة في القطيع، بل هي أزمة جرأة في اتخاذ القرار التاريخي والقطع مع ريع الامتيازات وهندسة الفوضى الممنهجة. إن مغرب الغد، مغرب الدولة الاجتماعية الحقة التي تتطلع إليها الأجيال الصاعدة وتتأسس على ركائز الكرامة والعدالة، لا يمكنه أن يظل مرتهنا لآليات تدبيرية متجاوزة تعيد إنتاج الهشاشة مع كل مناسبة اجتماعية وتترك المواطن أعزل في مواجهة تغول اللوبيات الطفيلية. إن إهدار الفرصة الذهبية لتعافي هذا الموسم، رغم كل المؤشرات المناخية والبيولوجية الإيجابية، يجب أن يشكل نقطة تحول حاسمة نحو إقرار المساءلة السياسية والمكاشفة المؤسساتية، والانتقال الفوري من منطق إطفاء الحرائق الظرفي إلى رحابة التخطيط الاستراتيجي المستدام. إنها في الجوهر دعوة لثورة تدبيرية تجمع بين السيادة الرقمية والعدالة المجالية، لتلتقي الرؤية السيادية المتبصرة بنجاعة تنفيذية حقيقية على أرض الواقع، صونا للسلم الاجتماعي، وحفاظا على قدسية قيمنا التضامنية، وانتصارا لكرامة المواطن المغربي التي تظل أسمى غايات الفعل السياسي النبيل.
طارق حيدار
المنسق الجهوي لمنظمة شباب الأصالة والمعاصرة
بجهة مراكش آسفي