تحل في العشرين من غشت من كل سنة ذكرى ثورة الملك والشعب، بما تحمله من دلالات وطنية راسخة في الذاكرة الجماعية للمغاربة، باعتبارها محطة مفصلية في تاريخ الكفاح الوطني من أجل الحرية والاستقلال والدفاع عن السيادة والوحدة الوطنية.
وتستحضر هذه الذكرى صفحة مشرقة من تاريخ المغرب الحديث، حين توحد العرش والشعب في مواجهة الاستعمار، في ملحمة وطنية جسدت عمق الارتباط بين المؤسسة الملكية والشعب المغربي، ورسخت قناعة جماعية بأن الدفاع عن استقلال الوطن وكرامته مسؤولية مشتركة تتجاوز الحسابات الظرفية والانتماءات السياسية والاجتماعية.
لقد شكل نفي السلطان محمد الخامس، طيب الله ثراه، في 20 غشت 1953، لحظة فارقة في مسار المقاومة الوطنية، إذ تحولت محاولة ضرب رمز السيادة الوطنية وإضعاف وحدة المغاربة إلى عامل إضافي لتصعيد المقاومة وتوسيع دائرة التضامن الشعبي، وهكذا انتقلت مواجهة الاستعمار من النضال السياسي إلى مختلف أشكال المقاومة، وصولا إلى مرحلة التفاوض التي مهدت لاسترجاع الاستقلال وعودة الملك الشرعي إلى أرض الوطن.
ولا تقتصر أهمية هذه الذكرى على استحضار أحداث الماضي، بل تفتح المجال أمام قراءة الحاضر واستشراف المستقبل، فالوطنية، في مدلولها المعاصر، لا ينبغي أن تظل مجرد شعور رمزي أو احتفال موسمي، وإنما هي ممارسة يومية تقوم على صون مؤسسات الدولة، والدفاع عن المصالح العليا للوطن، وتعزيز الثقة في المستقبل، والانخراط المسؤول في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
ومن هذا المنظور، تكتسي ذكرى ثورة الملك والشعب أهمية خاصة بالنسبة إلى العمل السياسي والحزبي، باعتبارها مناسبة لتجديد الالتزام بقيم المواطنة والمسؤولية وخدمة الصالح العام، فالأحزاب السياسية، بما تضطلع به من أدوار دستورية، مطالبة بأن تجعل من الوطنية إطارا جامعا للعمل، وأن تسهم في تأطير المواطنين، وترسيخ ثقافة المشاركة، والدفاع عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وتعزيز المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن استحضار تضحيات جيل المقاومة والتحرير يضع الأجيال الحالية أمام مسؤولية تاريخية جديدة، مسؤولية بناء مغرب قوي ومتضامن، قادر على حماية مكتسباته ومواصلة مسيرة التنمية، وتحويل الطاقات الوطنية إلى مشاريع وسياسات تستجيب لتطلعات المواطنين، ولا سيما الشباب.
كما أن الوفاء لروح هذه الذكرى يقتضي ترسيخ ثقافة الاعتراف بتضحيات المقاومين وجيش التحرير، وصيانة الذاكرة الوطنية ونقلها إلى الأجيال الصاعدة، حتى تظل محطات الكفاح الوطني مصدرا للإلهام في مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.
وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، تظل الوطنية المغربية مطالبة بأن تتجدد في مضامينها وأشكالها، من خلال جعل خدمة الوطن مرتبطة بالعمل الجاد، والنزاهة، والمسؤولية، واحترام القانون، والدفاع عن كرامة المواطن، وتغليب المصلحة العامة على المصالح الضيقة.
إن ثورة الملك والشعب ليست مجرد ذكرى في سجل التاريخ، بل هي رمز لوحدة وطنية أثبتت قدرتها على تجاوز أصعب المنعطفات، ولذلك فإن استحضارها اليوم ينبغي أن يكون مناسبة لتجديد العهد على مواصلة بناء الوطن، وتعزيز تماسكه، وترسيخ مكتسباته، والانخراط في مسيرة تنموية تجعل من الإنسان محورا للسياسات العمومية وغاية أساسية لكل مشروع وطني.
وبهذه الروح، تظل ذكرى 20 غشت موعدا سنويا للوفاء لذاكرة المقاومة، والاعتزاز بالهوية الوطنية، وتجديد الالتزام بمستقبل المغرب، في إطار وحدة الوطن وتلاحم أبنائه، واستمراراً لروح التضحية والمسؤولية التي صنعت إحدى أبرز صفحات تاريخ المملكة.
سارة الرمشي