بقلم: نصرو العبدلاوي*
ليس يوم 31 أكتوبر يوما عاديا في الذاكرة الوطنية المغربية، ولا مجرد تاريخ أضيف إلى قائمة الأعياد الوطنية، بل هو موعد يحمل دلالات سياسية وتاريخية ورمزية عميقة، ويؤشر على مرحلة جديدة في مسار قضية الوحدة الترابية للمملكة.
إنه عيد الوحدة، الذي اختار له المغرب أن يكون عنوانا للانتماء المشترك، وتجسيدا للارتباط بين الأرض والتاريخ والهوية والمصير.
لقد جاء إقرار هذه المناسبة الوطنية بقرار ملكي، أعلن عنه الديوان الملكي في 4 نونبر 2025، عقب التحولات التي عرفها ملف الصحراء المغربية، واستحضاراً للتطورات المرتبطة بقرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح 31 أكتوبر محطة وطنية سنوية، تستحضر فيها المملكة مسارها في الدفاع عن وحدتها الترابية.
لكن ما يمنح عيد الوحدة أهميته ليس فقط خلفيته السياسية والدبلوماسية، وإنما ما يحمله من أسئلة حول المستقبل: كيف نحول المكاسب الدبلوماسية إلى مكتسبات تنموية؟ وكيف نجعل الوحدة الترابية عنوانا لوحدة الفرص والحقوق والكرامة بين جميع المغاربة؟.
وتأتي ذكرى عيد الوحدة هذه السنة في سياق دولي بالغ الأهمية، خاصة بعد التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي يوم 30 أكتوبر 2026، حين تعذر التوصل إلى قرار بشأن تمديد ولاية بعثة المينورسو، عقب استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار الأمريكي، وعدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات اللازمة.
وقد أعقب ذلك بلاغ للديوان الملكي اعتبر عدم تجديد ولاية البعثة تطورا مهما في مسار القضية الوطنية، مع التأكيد على استمرار المغرب في احترام وقف إطلاق النار وصيانة أمنه واستقراره.
وهنا تبرز أهمية قراءة هذه المستجدات بعيدا عن التبسيط أو المبالغة؛ فالتطورات الأممية، مهما بلغت أهميتها، لا تعني بالضرورة أن كل جوانب الملف قد حسمت نهائيا، بل تفتح مرحلة جديدة تتطلب يقظة دبلوماسية، وحكمة سياسية، وقدرة على تدبير التحولات الإقليمية والدولية.
إن السياسة الخارجية الناجحة لا تقاس فقط بحجم المواقف المؤيدة، وإنما كذلك بقدرتها على تحويل الدعم الدولي إلى مسار سياسي مستقر، يضمن الأمن والسلم ويهيئ شروط التنمية والاندماج الإقليمي.
ومن وجهة نظري، فإن المعنى الحقيقي لعيد الوحدة ينبغي ألا يتوقف عند الاحتفاء بالرمزية الوطنية، بل يجب أن يمتد إلى تجديد التعاقد الوطني حول مغرب يتسع لجميع أبنائه، ويجعل من العدالة المجالية والمساواة في الفرص أساساً
متيناً لوحدته.
فالمواطن الذي ينتظر فرصة شغل، والشاب الذي يبحث عن أفق يحقق به طموحاته، والأسرة التي تطمح إلى تعليم جيد وخدمات صحية تحفظ كرامتها، جميعهم معنيون بمعنى الوحدة ومضمونها.
كما أن الأقاليم الجنوبية لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها عنوانا للقضية الوطنية، بل باعتبارها فضاء استراتيجيا للتنمية والاستثمار والابتكار، ومجالا لإبراز قدرة النموذج التنموي المغربي على تحقيق التوازن بين الأقاليم والجهات.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في جعل المواطن في صلب السياسات العمومية، حتى يشعر بأن الانتماء إلى الوطن ليس مجرد رابطة تاريخية وعاطفية، وإنما أيضا ضمانة للحقوق والفرص والعيش الكريم.
إن التحولات التي يعرفها ملف الصحراء المغربية تضع أمام المغرب مسؤولية مواصلة العمل على مستويات متعددة: دبلوماسيا، من خلال تعزيز الشراكات الدولية وتوضيح المبادرة المغربية للحكم الذاتي؛ واقتصاديا، من خلال تسريع المشاريع المهيكلة والاستثمارات المنتجة؛ واجتماعيا، عبر محاربة الهشاشة وتحسين الخدمات الأساسية؛ وثقافيا، من خلال تثمين التنوع المغربي باعتباره مصدر غنى وقوة.
كما أن المرحلة المقبلة تقتضي ترسيخ ثقافة الحوار والتواصل، لأن قوة الدول لا تتجلى فقط في قدرتها على الدفاع عن مصالحها، بل كذلك في قدرتها على بناء الثقة وتوسيع دوائر التعاون مع محيطها الإقليمي والدولي.
ولا يمكن إغفال أن الاستقرار الإقليمي يظل مصلحة مشتركة لشعوب المنطقة، وأن تجاوز الخلافات وفتح آفاق التعاون المغاربي سيظل مطلبا استراتيجيا، لما يحمله من فرص اقتصادية وإنسانية وتنموية.
ولعل أهم ما ينبغي أن نستحضره في هذه المناسبة هو أن الوحدة ليست فقط وحدة التراب، وإنما أيضا وحدة الإرادة الوطنية، ووحدة الأمل، ووحدة المسؤولية.
فلا معنى للاحتفاء بالوحدة دون جعل محاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية أولوية، ولا معنى للحديث عن المستقبل دون الاستثمار في الإنسان، ولا يمكن بناء مغرب قوي دون مؤسسات فعالة، وإدارة مسؤولة، ومجتمع مدني حيوي، وإعلام مهني يواكب التحولات ويناقش التحديات بمسؤولية.
إن المواطن لا يريد فقط أن يسمع عن الإنجازات، بل يريد أن يلمس آثارها في حياته اليومية. ومن هنا، فإن عيد الوحدة يجب أن يكون مناسبة لتقييم ما تحقق، ومساءلة ما لم يتحقق، وتجديد الالتزام ببناء وطن العدالة والإنصاف وتكافؤ الفرص.
إن 31 أكتوبر يحمل رسالة تتجاوز حدود الاحتفال السنوي؛ فهو مناسبة لاستحضار التاريخ، وقراءة الحاضر، واستشراف المستقبل.
وإذا كانت الدبلوماسية قد فتحت أمام المغرب آفاقاً جديدة في تدبير قضيته الوطنية، فإن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في مواصلة البناء الداخلي، وتعزيز التنمية، وتحصين الجبهة الاجتماعية، حتى تظل الوحدة الوطنية والترابية مرتبطة بوحدة المصير والآمال المشتركة.
فالأوطان لا تقوى فقط بما تمتلكه من تاريخ ورموز، بل بما توفره لمواطنيها من كرامة وعدالة وأمن وأمل.
عيد الوحدة ليس فقط احتفاء بأرض تجمعنا، بل تجديد للعهد على وطن يتسع للجميع، ويمنح أبناءه أسباب الفخر والانتماء والمستقبل.
* إعلامي، منسق قطب التواصل والتكوين والأنشطة الحزبية بالأمانة الإقليمية للحزب بطنجة- أصيلة