بقلم: د. أحمد طوالة
يعد؛ الشباب معين كل نهضة حدثت في التاريخ، منذ أثينا إلى الآن، مرورا بكل الحضارات على اختلاف جغرافياتها وأزمنتها. فالشباب هم محرك التنمية والمؤشر الحقيقي على تقدم الشعوب أو تخلفها.
ومن هنا، يطرح سؤال الشباب اليوم سيلا من التساؤلات والإشكالات، لا سيما في ظل السياق الدولي والوطني المتسم باتساع الفجوة الرقمية وتداعياتها النفسية والثقافية والاقتصادية.
وينطبق هذا الواقع تماما على الشباب المغربي باعتباره جيل التكنولوجيا ووسائط الاتصال الحديثة بامتياز، منتجا ومستهلكا في الوقت ذاته. من هنا تبرز مفارقات غارقة في التعقيد، تتطلب معالجتها آليات عملية؛ في مقدمتها مبدأ المقاربة التشاركية، باعتبارها منهجية وسلوكا قابلا للقياس والتقييم لا شعارا فولكلوريا لتأثيث اللقاءات والاجتماعات.
ويعني ذلك إشراك الشباب الفعلي في التخطيط، واتخاذ القرار، وتنفيذ المشاريع والسياسات، لا سيما في مجال التنمية المندمجة، ومنحهم الفرصة للتعبير عن آرائهم من أجل تحقيق التنمية الشاملة.
فمن دون إشراك الشباب في صلب قضاياهم، يستحيل الوصول إلى حلول ناجعة وفاعلة تحترم ذكاءهم الجمعي في إطار العيش المشترك.
يقوم هذا العيش المشترك على ثقافة السلم الاجتماعي، ومنطلق فهم الآخر واحترامه، وقبول مبدأ الاختلاف، والإيمان بدور الشباب كجزء فاعل ومنتج، فضلا عن بناء ثقافة حوار مجتمعي تستند إلى القيم الديمقراطية. وهنا نطرح الأسئلة الجوهرية: ما الأسباب الكامنة وراء استمرار التحديات المرتبطة بحضور الشباب في الفضاء العام؟ من يتحمل مسؤولية هذا الوضع؟؛ وما الآثار السلبية لتراجع منسوب الثقة؛ ولماذا لم يستثمر في طاقات الشباب بالشكل المطلوب باعتبارها السبيل الأنجع للنهوض بالاقتصاد الوطني؟.
ولمقاربة إشكالية الشباب بالمغرب بموضوعية، وجب استحضار لغة الأرقام والمؤشرات؛ فبالعودة إلى الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، نجد أن فئة الشباب تمثل حوالي 30% (ما يعادل 11 مليون نسمة)، إلى جانب استمرار تحدي مؤشر “Neet” الذي يضم ملايين من الشابات والشباب غير المدمجين في التعليم أو التكوين أو الشغل، فضلا عن ضعف نسب الانخراط المؤسساتي الحزبي والمدني.
انطلاقا من هذه المعطيات، يجب التفكير بشكل هادئ وعميق لإنتاج حلول مبتكرة تستحضر التعدد المجالي والاجتماعي للشباب المغربي، وهو ما يتأتى عبر إطلاق حوار وطني واسع حول الشباب عبر رباط التراب الوطني. فقراءة وتحليل هذه المؤشرات تتطلب دراسات ميدانية وعملية دقيقة، لا سيما أن الواقع يثبت بالملموس أن الشباب المغربي طاقة ورأسمال استراتيجي لمستقبل البلاد.
وهو ما أكد عليه جلالة الملك في خطاب العرش لسنة 2023 حين قال: “فالشباب المغربي، متى توفرت له الظروف، وتسلح بالجد وبروح الوطنية، دائما ما يبهر العالم، بإنجازات كبيرة، وغير مسبوقة، كتلك التي حققها المنتخب الوطني في كأس العالم”.
إن المغرب اليوم يقف أمام تحديات اجتماعية واقتصادية كبرى تؤهله للارتقاء إلى مصاف الدول الصاعدة. وفي هذا الإطار، تكتسي الدعوة إلى مبادرة “حوار وطني حول الشباب” أهمية بالغة كمحطة مجتمعية ديمقراطية للإنصات الحقيقي للشباب، واحتضان مطالبهم المشروعة، والتشاور معهم بمسؤولية ومهنية، تحت إشراف لجنة وطنية تضم ممثلي القطاعات الحكومية والمؤسسات الدستورية والفعاليات الأكاديمية والمدنية، إلى جانب الخبراء المغاربة وفعاليات مغاربة العالم.
يتطلب هذا الحوار أن يندرج ضمن رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى تقوية أدوار الشباب في صرحنا الديمقراطي، وتبويئهم المكانة التي يستحقون كفاعلين أساسيين في التنمية الشاملة، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية التي أرست مكانة الشباب كشريك أساسي في صناعة وتقييم السياسات العمومية.
ويمكن بلورة هذه الرؤية عبر:
تنظيم سلسلة من اللقاءات التشاورية الجهوية والمناظرات لتوسيع مجالات المشاركة المدنية وتأهيلها، وتتويجها بتوصيات وتقارير قابلة للتنزيل الفعلي في شكل سياسات عمومية موجهة للشباب.
إحداث منصات رقمية تواصلية للقطاعات الحكومية المعنية، تعرض برامجها بلغة مبسطة وموظفة لتقنيات الذكاء الاصطناعي للتفاعل مع اهتمامات الشباب وتسهيل ولوجهم للخدمات الاجتماعية وفرص الاستثمار والشغل.
إن مبادرة الحوار الوطني حول الشباب تشكل الجواب المؤسساتي الأنسب لمواجهة العزوف عن العمل الحزبي والنقابي والمدني، ومناسبة حقيقية لتحفيز الناشئة على الانخراط في الشأن العام والإسهام الفعلي في بناء مستقبل الوطن، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة و الولوج إلى مصاف الدول الصاعدة.