بقلم: سارة العيساوي*
حلت؛ الذكرى الحادية والخمسون للمسيرة الخضراء هذا العام في سياق وطني ودولي استثنائي، يجعل من استحضار هذا الحدث التاريخي أكثر من مجرد وقوف عند محطة مضيئة في الذاكرة الجماعية للمغاربة؛ إنها مناسبة للتأمل في مسار قضية وطنية ظلت على امتداد عقود عنوانا لوحدة المغاربة وتماسكهم، وفي التحولات العميقة التي باتت ترسم ملامح مرحلة جديدة في مسار ترسيخ الوحدة الترابية للمملكة.
ففي السادس من نونبر 1975، وبتوجيه من جلالة الملك الراحل الحسن الثاني طيب الله؛ لم تكن المسيرة الخضراء مجرد مسيرة شعبية نحو الأقاليم الصحراوية، بل كانت تعبيرا تاريخيا عن إرادة وطنية جماعية، جسدت قدرة المغرب على توظيف الوحدة الشعبية والإيمان بعدالة القضية الوطنية في مواجهة واقع الاستعمار الإسباني.
وشكلت تلك اللحظة منعطفا في تاريخ المغرب الحديث، ليس فقط بما أفضت إليه من نتائج سياسية وتاريخية، وإنما بما أسسته من نموذج في التلاحم بين العرش والشعب حول قضية تتجاوز الحسابات الظرفية والاعتبارات السياسية العابرة.
وبعد واحد وخمسين عاما، يجد المغرب نفسه أمام منعطف مختلف في طبيعة التحديات وأدوات التعامل معها، فالمعركة التي خاضتها الأجيال السابقة لاستكمال الاستقلال والوحدة الترابية، انتقلت تدريجيا من مرحلة استرجاع الأرض إلى مرحلة ترسيخ السيادة، وتثبيت المشروعية، وتوسيع الاعتراف الدولي، وصولا إلى الدفع نحو تسوية سياسية تستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ولعل أبرز ما يمنح ذكرى هذه السنة خصوصيتها، تزامنها مع تطورات استثنائية شهدها مجلس الأمن الدولي في نهاية أكتوبر الماضي، بعدما تعذر اعتماد مشروع القرار الأمريكي المتعلق ببعثة المينورسو، إثر استخدام روسيا حق النقض، ثم عدم حصول المشروع الروسي البديل على الأصوات اللازمة. وهو تطور ترتبت عنه نهاية ولاية البعثة الأممية -المينورسو- دون تجديدها، بما فتح الباب أمام مرحلة جديدة في تدبير هذا الملف على المستوى الدولي.
وقد جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر في 30 أكتوبر 2026 ليعبر عن قراءة المغرب لهذه اللحظة، باعتبارها تحولا في منهجية التعاطي مع قضية الصحراء المغربية، وقطيعة مع منطق تدبير الوضع القائم الذي استمر خمسة وثلاثين عاما. كما أكد المغرب تمسكه بوقف إطلاق النار، واستمرار التزامه بالاستقرار والأمن، مع مواصلة العمل على توسيع الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي.
إن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في انتهاء ولاية بعثة أممية عمرت أكثر من ثلاثة عقود، وإنما في ما يطرحه من أسئلة بشأن مستقبل المسار السياسي، وطبيعة الأدوار الدولية المطلوبة، وإمكانية الانتقال من إدارة نزاع طال أمده إلى تهيئة الشروط السياسية والدبلوماسية لتسوية نهائية.
وفي هذا السياق، لا ينبغي التعامل مع المستجدات الأخيرة باعتبارها نهاية تلقائية للنزاع، أو اختزالها في انتصار ظرفي في معركة دبلوماسية، بل يتعين قراءتها ضمن مسار تراكمي طويل، راكم فيه المغرب مكاسب مهمة بفضل وضوح موقفه، واستمرارية دبلوماسيته، وتطور مبادرته السياسية، وما حظيت به من دعم متزايد من قوى دولية وازنة.
كما أن التحولات التي تعرفها القضية الوطنية تضع مختلف الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين أمام مسؤولية تاريخية جديدة، قوامها الانتقال من منطق الدفاع عن الوحدة الترابية إلى منطق الإسهام الفعلي في بناء نموذج تنموي ومؤسساتي قادر على تجسيد هذه الوحدة في واقع الحياة اليومية للمواطنين بالأقاليم الجنوبية.
فمغربية الصحراء ليست فقط قضية حدود وسيادة، بل هي أيضا قضية تنمية وعدالة مجالية وكرامة إنسانية، تقتضي تعزيز الاستثمار المنتج، وتوسيع فرص الشغل، وتطوير البنيات التحتية، وتقوية المشاركة السياسية، وتمكين أبناء المنطقة من الإسهام في تدبير شؤونهم في إطار المؤسسات الدستورية للمملكة.
ومن هنا تبرز الأهمية الاستراتيجية لمبادرة الحكم الذاتي، باعتبارها مشروعا سياسيا ومؤسساتيا يستوعب خصوصيات المنطقة، ويتيح تدبير شؤونها المحلية في إطار السيادة الوطنية والوحدة الترابية، ويؤسس لتصور متقدم للعلاقة بين الدولة ومجالاتها الترابية.
وتكتسب هذه المقاربة بعدا إضافيا مع إقرار 31 أكتوبر عيدا للوحدة، بما يجعل الذاكرة الوطنية مرتبطة ليس فقط باستحضار محطات استكمال الاستقلال، وإنما أيضا بالتحولات التي تعرفها القضية الوطنية وبالآفاق التي تفتحها أمام الأجيال المقبلة.
إن المسيرة الخضراء، في ذكراها الحادية والخمسين، تدعونا إلى استحضار حكمة القرار التاريخي الذي أطلقه جلالة الملك الراحل الحسن الثاني، واستيعاب دلالات المرحلة الجديدة التي يقودها جلالة الملك محمد السادس، حيث لم تعد القضية الوطنية تقتصر على الدفاع عن المكتسبات، بل أصبحت تطرح تحدي تحويل الاعترافات والمواقف الدولية إلى واقع سياسي ومؤسساتي وتنموي مستدام.
ولعل الدرس الأبرز الذي ينبغي استخلاصه اليوم هو أن القضايا الوطنية الكبرى لا تحسم فقط بتراكم المواقف الدبلوماسية، مهما بلغت أهميتها، وإنما أيضا بقدرة الدولة والمجتمع على تحويل تلك المكتسبات إلى قوة اقتراح وبناء، وعلى الحفاظ على اليقظة والوحدة والتماسك في مواجهة مختلف التحديات.
وبين السادس من نونبر 1975 والسادس من نونبر 2026، تمتد مسيرة وطن بأكمله؛ مسيرة انتقلت من استرجاع الأرض إلى ترسيخ السيادة، ومن تعبئة الجماهير إلى بناء المؤسسات، ومن مواجهة الاستعمار إلى خوض رهانات التنمية والتموقع الإقليمي والدولي.
إنها لحظة تاريخية تستحق أن نستحضر فيها الماضي باعتزاز، ونقرأ الحاضر بوعي، ونستشرف المستقبل بثقة ومسؤولية؛ لأن الوفاء لروح المسيرة الخضراء لا يتحقق بمجرد الاحتفاء بذكراها، بل بمواصلة البناء وترسيخ الوحدة الوطنية وصيانة المكتسبات وفتح آفاق جديدة أمام مغرب موحد وقوي.
*عضو المكتب الجهوي لمنظمة نساء الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة- تطوان- الحسيمة