أكدت فاطمة سعدي، عضو القيادة الجماعية للأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، أن الاستحقاق الانتخابي المرتقب في 23 شتنبر لا يمكن التعامل معه باعتباره محطة عادية، بالنظر إلى خصوصيته وحمولته السياسية والمجتمعية، مشددة على أن هذه المرحلة تفرض وقفة حاسمة ومسؤولة وحازمة، بعيدا عن محاولات تجميل الواقع أو إخفاء الحقائق.
وألقت سعدي، باسم القيادة الجماعية، الكلمة خلال تقديم البرنامج الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة اليوم الثلاثاء فاتح شتنبر 2026، حيث شددت على أن السؤال المطروح أمام المغاربة لا ينبغي أن يقتصر على معرفة من سيفوز في الانتخابات، وإنما يتعين أن ينصب أساسا على ما يمكن فعله بالمغرب خلال السنوات الخمس المقبلة.
وفي مستهل كلمتها، توجهت سعدي بالشكر إلى الحاضرين على حضورهم المكثف واهتمامهم بهذه المحطة، معتبرة أنها مناسبة تفتح سؤالا أساسيا حول المستقبل الذي يريد الجميع الإسهام في تأسيسه.
وبلغة صريحة، توقفت عضو القيادة الجماعية عند السياق الذي تأتي فيه انتخابات 23 شتنبر، مستحضرة ما عاشته المملكة خلال الأسابيع الماضية من محاولات للهجرة نحو الضفة الأخرى عبر مدينة سبتة المحتلة، وما رافقها من مخاطر أودت، مع الأسف، بحياة عدد من الشباب.
وقالت سعدي إن هذه الأحداث “تسائلنا جميعا”، وتفرض طرح أسئلة واضحة حول أسباب وصول بعض الشباب إلى درجة المخاطرة بحياتهم من أجل العبور، وحول هوية هؤلاء الشباب والدوافع التي جعلتهم يختارون هذا الطريق.
وأقرت في هذا السياق بوجود مسؤولية لشبكات الهجرة والاتجار بالبشر، فضلا عن الدور السلبي لبعض الوسائط الاجتماعية، إلى جانب عوامل أخرى، لكنها شددت على أن تعدد الأسباب، من الفقر والتهميش والبطالة إلى غياب الأفق واهتزاز الثقة في المستقبل، لا ينبغي أن يحجب السؤال الأصعب.
فالشباب الذين حاولوا الهجرة، بحسب سعدي، لم يكونوا جميعا من الفئات التي تعاني الفقر المدقع، بل كان بينهم أيضا شباب من أسر لا تعاني الحاجة، وتتوافر لهم إمكانات وربما فرص لبناء مستقبل أفضل داخل وطنهم وفي كنف أسرهم، ومع ذلك اختاروا المغامرة.
ومن هنا، طرحت سعدي سؤالا اعتبرته أساسيا، لماذا وصل بعض الشباب إلى الاقتناع بأن مستقبلهم يوجد في مكان آخر، ولماذا فقد جزء منهم الإحساس بأن الوطن يمكن أن يمنحهم فرصة وأملا ومسارا للحياة.
وأكدت أن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى ردود ظرفية أو أجوبة جاهزة، معتبرة أن مواجهة الحقيقة، مهما كانت قاسية، تمثل أول شرط لمعالجتها، وأنه “لا ينبغي أن نخفي رؤوسنا في الرمال”.
وفي المقابل، شددت سعدي على أن المغرب يعيش أيضا وجها آخر من الحقيقة، يتمثل في بلد يتقدم ويحقق تحولات عميقة ويبني المشاريع ويعزز بنياته، مؤكدة أن هذه الحقيقة لا يمكن إنكارها، موضحة أن مقارنة المغرب بمحيطه القريب والبعيد، وببلدان تشترك معه في الإمكانات والتحديات والخصوصيات، تكشف أن المملكة قطعت خطوات كبيرة إلى الأمام وراكمت تحولات مهمة في عدد من المجالات.
غير أن هذه الصورة الإيجابية، وفق سعدي، تخفي مفارقة يتعين وضعها في قلب النقاش الانتخابي، مفارقة بين مغرب يتقدم، وبين مغاربة، خصوصا فئات من الشباب، ما زالوا يشعرون بأن الطريق أمامهم مسدود، أو أن نصيبهم من ثمار هذا التقدم لم يصل إلى المستوى الذي ينتظرونه.
وقالت إن هذه المفارقة هي التي ينبغي أن تكون في صلب النقاش الانتخابي، لأن الانتخابات ليست فقط مناسبة لتجديد المؤسسات، وإنما فرصة للإجابة عن سؤال أكثر عمقا “ماذا سنفعل بالمغرب خلال السنوات الخمس المقبلة”.
وربطت سعدي هذا السؤال بقدرة السياسة على تحسين حياة المواطنين وحماية مستقبلهم واستعادة الثقة في المؤسسات، معتبرة أن ما سيقترحه الحزب على المغاربة يجب أن يكون، أولا، جوابا عن الإشكالات التي يعيشونها اليوم.
وفي هذا الإطار، لفتت إلى أن بعض الإشكالات التي تواجه المجتمع قديمة، مثل التعليم، لكنها أكدت في المقابل بروز قضايا جديدة ومستجدة فرضتها تحولات السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها القدرة الشرائية.
وأبرزت أن المواطن المغربي أصبح اليوم يحمل هم توفير غذائه اليومي، بعدما كان مستوى العيش، رغم محدوديته بالنسبة إلى فئات واسعة، يوفر على الأقل هامشا من الاستقرار والقدرة على مواجهة تكاليف الحياة.
وشددت سعدي على أن الوصول إلى هذا الوضع “لم يكن ينبغي أن يحدث”، وأن ارتفاع كلفة الحياة إلى مستوى يفوق قدرة المواطن على التحمل لا يمكن اعتباره مجرد مسألة تقنية أو رقما في مؤشرات الاقتصاد، بل يتعلق بالكرامة والاستقرار الاجتماعي والثقة والأمل في المستقبل.
وفي لحظة سياسية لافتة، انتقلت سعدي إلى الحديث عن مسؤولية حزب الأصالة والمعاصرة نفسه، مؤكدة أن الحزب كان في الحكومة ولا يزال فيها إلى حين تشكيل الحكومة المقبلة، وبالتالي فإنه يتحمل نصيبه من المسؤولية “بكل صدق وبكل صراحة”، ولكن في حدود موقعه ومسؤولياته داخل التحالف الحكومي.
وفي المقابل، ذكرت بأن الحزب وقف خلال عدد من المحطات الحكومية والبرلمانية ضد قرارات وتوجهات اعتبرها غير سليمة، ونبه إلى مخاطرها، ورفض أن تتحول بعض الممارسات إلى أمر عادي في تدبير الشأن العام، خصوصا عندما ترتبط الاختلالات بتضارب المصالح أو عندما تصبح السياسة العمومية معرضة للتأثر بمصالح ضيقة بدل الانحياز إلى المصلحة العامة.
وأكدت سعدي أن الحزب لا يوجد اليوم في لحظة محاسبة، لأن هذه المحاسبة سيجريها المغاربة في وقتها وبالميزان الذي يختارونه، معتبرة أن المرحلة كانت بالنسبة إلى الحزب مناسبة للتوقف والمراجعة والتفكير الجدي وطرح سؤال هل يمكن أن يستمر هذا المسار.
وجاء جواب الحزب، كما نقلته سعدي باسم القيادة الجماعية، حاسما “بالقطع لا”.
ومن هنا، أوضحت أن برنامج الحزب الانتخابي جاء مؤطرا بشعار “تغيير المسار… كلمة واحدة»”، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بمجرد عبارة انتخابية، وإنما بتعاقد والتزام سياسي، مشددة على أن حزب الأصالة والمعاصرة، إذا منحه المغاربة ثقتهم وأوكلوا إليه مسؤولية تدبير الشأن العام، يلتزم بتغيير المسار وإعادة توجيه البوصلة نحو الأولويات الحقيقية للمغرب والمغاربة.
وفي الوقت ذاته، حرصت سعدي على التأكيد بأن الحزب يتحمل نصيبه من المسؤولية، لكنه لا يتحمل مسؤولية قرارات لم يتخذها أو توجهات لم يكن صاحبها، مبرزة أن الأصالة والمعاصرة هو الحزب الوحيد داخل التحالف الحكومي الذي لم يقد الحكومة، ولم يكن على رأسها، ولم يكن موجها للسياسة العامة للحكومة.
وأضافت أن البرامج التي حملها الحزب إلى الحكومة لم تكن دائما أمامها فرصة التطبيق الكامل على أرض الواقع، ولذلك فإن الحزب مستعد لمحاسبة المغاربة له، ولكن “كل بقدر مسؤوليته، وكل بقدر موقعه وتأثيره في القرار”.
وختمت سعدي هذا الجزء من كلمتها بالتأكيد على أن السياسة التي يؤمن بها الحزب تقوم على عدم التهرب من المسؤولية، وفي الوقت نفسه عدم تحميل نفسه مسؤولية غيره، مشددة على أن الأصالة والمعاصرة لا يأتي فقط ليقول للمغاربة ما الذي لم يعجبه في المسار السابق، وإنما ليقول بوضوح ماذا سيفعل.
والجواب، كما قدمته باسم القيادة الجماعية، هو “تغيير المسار”.
سارة الرمشي