قدمت السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة، اليوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام أعضاء مجلسي البرلمان، تصريح الحكومة بشأن برنامج عملها، واضعة ملامح ولاية حكومية ترتكز على سبع أولويات متكاملة، تجمع بين ترسيخ دولة الحق والقانون، ومحاربة الفساد والريع، وتقوية الدولة الاجتماعية، وإدماج الشباب، وتأمين السيادة الاستراتيجية، وبناء اقتصاد منتج قادر على تمويل الطموح التنموي للمملكة.
ويؤسس البرنامج الحكومي، وفق التصريح، لمرحلة جديدة في تدبير السياسات العمومية، تستحضر التوجيهات الملكية السامية، وتستند إلى النموذج التنموي الجديد وطموح مغرب 2035، مع الالتزام بتنفيذ البرامج الانتخابية لأحزاب الأغلبية بصورة تدريجية، تراعي الإمكانات المالية للدولة ومتطلبات الاستدامة، وتربط الأهداف المعلنة بأثر ملموس في حياة المواطنات والمواطنين.
ويضع البرنامج في صلب توجهاته تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وتحويل الاستثمار إلى فرص شغل، مع إيلاء عناية خاصة للشباب باعتبار قضاياه خيطا ناظما لمختلف السياسات الحكومية، وليس مجرد قطاع مستقل ضمن أولويات الولاية.
– التوجيهات الملكية مرجعية للمرحلة التنموية الجديدة
أكدت رئيسة الحكومة أن برنامج العمل يستند إلى ثوابت الأمة، وفي مقدمتها الدين الإسلامي السمح، والملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية والاجتماعية، والوحدة الوطنية والترابية، والاختيار الديمقراطي، مع صيانة التعدد الثقافي واللغوي وضمان الحقوق والحريات والمساواة وتكافؤ الفرص.
وتشكل التوجيهات الملكية السامية المرجعية الأساسية لتحديد أولويات المرحلة، ولاسيما ما يتعلق بتحصين المكتسبات ومواصلة الإصلاحات الكبرى، وتحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، ووضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتعزيز مكانة القطاع الخاص، وتسريع الأوراش المرتبطة بالأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يولي البرنامج أهمية خاصة للتنزيل الكامل للجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما مدخلين لتحسين الحكامة الترابية وتقريب القرار والخدمات من المواطنين، إلى جانب اعتماد مقاربة تنموية أكثر تكاملا، تستثمر نتائج التجارب السابقة، وتحافظ على مكتسبات الحماية الاجتماعية وإصلاح الصحة والتعليم والاستثمار والسكن والبنيات الأساسية، مع تصحيح الاختلالات المرتبطة بضعف تحويل الاستثمار إلى فرص شغل، وبالتفاوت في جودة الخدمات والإنصاف في الاستفادة منها.
ويحضر ملف الوحدة الترابية بقوة ضمن أولويات البرنامج، من خلال مواصلة الدفاع عن سيادة المملكة ومصالحها، وحشد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، وتسريع تنمية الأقاليم الجنوبية وتعزيز إشعاعها بوصفها بوابة للمغرب نحو عمقه الإفريقي ومجاله الأطلسي.
كما جددت الحكومة تمسكها بالموقف المغربي الثابت من القضية الفلسطينية والقدس الشريف، ودعم التسوية السلمية القائمة على حل الدولتين، بما يضمن سلاما عادلا ودائما.

– دولة الحق والقانون ومحاربة الفساد.. مدخل لاستعادة الثقة
يضع البرنامج الحكومي توطيد دولة الحق والقانون والمؤسسات في مقدمة أولوياته، انطلاقا من اعتبار ترسيخ الممارسة الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان والحريات شرطا أساسيا لتعزيز الثقة في العمل العمومي والحياة السياسية.
وتتعهد الحكومة، في هذا الإطار، بتقوية الحضور المؤسساتي، والانفتاح على المقترحات البناءة للمعارضة، وتوسيع المشاركة المواطنة، إلى جانب إطلاق برنامج لتحديث منظومة العدالة، يضمن الولوج العادل إلى القضاء ويعزز الأمن القانوني.
كما يشمل هذا التوجه مواصلة الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية المرتبطة بحقوق الإنسان، وتعزيز إدماجها في السياسات العمومية، والنهوض بأوضاع المرأة، ومحاربة العنف ضد النساء، وتوسيع مشاركتهن في مراكز القرار، وتمكينهن اقتصاديا عبر الشغل اللائق ودعم المبادرة والاستقلالية المالية، مع تحسين الولوج إلى التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، خاصة في الوسط القروي ولدى الفئات الهشة.
وتحضر الجهوية المتقدمة ضمن هذا المحور باعتبارها رافعة لإعادة تنظيم تدبير الشأن الترابي، من خلال توضيح اختصاصات الجهات، وتحديث آليات تنفيذ المشاريع، وتعزيز مواردها المالية واستقلاليتها.
وفي هذا الصدد، يلتزم البرنامج برفع التحويلات المالية لفائدة الجهات إلى ما لا يقل عن 12 مليار درهم ابتداء من سنة 2027، مع مواصلة تعميم عقود البرامج بين الدولة والجهات وربطها بأهداف واضحة في التشغيل والاستثمار وتقليص الفوارق.
ويتكامل هذا التوجه مع تسريع تنفيذ ميثاق اللاتمركز الإداري، وإعطاء الأولوية للجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، بما يسمح بتنسيق السياسات العمومية المجالية وتحقيق أثر مباشر في ظروف عيش الساكنة.
أما محاربة الفساد والريع، فتشكل أولوية قائمة بذاتها، من خلال استكمال المنظومة الوطنية للنزاهة، والعمل على تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، والتصدي لاستغلال المعلومات لتحقيق امتيازات غير مشروعة.
ويمتد هذا الإصلاح إلى تنظيم الأسواق ومحاربة الاحتكار والوساطة الانتهازية، ووضع آليات لفحص الصفقات العمومية والتحقيق في التواطؤ في طلبات العروض، مع تخصيص 30 في المائة من قيمة الصفقات العمومية للمقاولات الصغرى والمتوسطة المغربية، بما يجعل الطلب العمومي أداة لدعم الإنتاج الوطني وتوسيع قاعدة المستفيدين من الاستثمار.

– الدولة الاجتماعية.. تحسين القدرة الشرائية وجودة الخدمات
يحتل ضمان العيش الكريم وترسيخ الدولة الاجتماعية موقعا محوريا في البرنامج الحكومي، الذي يقترح مقاربة متعددة الأبعاد لمواجهة ارتفاع كلفة المعيشة، تقوم على تحسين دخل الأسر، وضبط أسباب الغلاء، وتوسيع الحماية الاجتماعية، والارتقاء بجودة الخدمات العمومية.
وفي مواجهة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، تعتزم الحكومة اعتماد خطط لتموين السوق بالمنتجات الاستراتيجية، وتقريب المنتج من المستهلك عبر شركات جهوية ومنصات مهنية للتجميع والتسويق، وإصلاح مسالك توزيع اللحوم والأسماك، وضبط العلاقة بين التصدير وتموين السوق الوطنية وفق قواعد معلنة ومستقرة.
كما يتضمن البرنامج إقرار تعويض اجتماعي تلقائي يعادل الفاتورة الشهرية للكهرباء، بالنسبة إلى المساكن الرئيسية للأسر المستحقة التي لا تتجاوز فاتورتها 100 درهم، بما يخفف الأعباء المعيشية عن الفئات المعنية، إلى جانب إطلاق إصلاح تدريجي للضريبة على الدخل بهدف رفع الدخل الصافي للأجراء وتشجيع التشغيل المصرح به.
وفي مجال الدعم الاجتماعي، تتجه الحكومة إلى إعادة استهداف الاستفادة على أساس الدخل الفعلي، مع الرفع التدريجي من قيمة الدعم من 500 إلى 1000 درهم عند نهاية الولاية الحكومية، وتحويله إلى رافعة للإدماج الاجتماعي والاقتصادي، وتوسيع الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل.
ويشمل البرنامج أيضا مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية، مع الانتقال من تعميم التغطية إلى ضمان الاستفادة الفعلية والعادلة والمستمرة من الخدمات الصحية، ولهذه الغاية، ستعمل الحكومة على معالجة الخصاص الترابي في العرض الصحي، وتحسين استقبال المرضى ومصالح المستعجلات، وتعميم المساعدة الطبية الاستعجالية، وإرساء منظومة معلوماتية صحية وطنية موحدة، إلى جانب تعزيز الموارد البشرية واستكمال الإصلاح المؤسساتي للقطاع.
وفيما يتعلق بالتقاعد، يعلن البرنامج عن إصلاح شامل للأنظمة، يستند إلى الحوار الاجتماعي ويهدف إلى توسيع الحماية، وتقريب الحقوق والواجبات بين الأنظمة، وضمان استدامة التمويل وكفاية المعاشات، مع الحفاظ على الحقوق المكتسبة.
ويشمل هذا الورش الرفع التدريجي للحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم شهريا في مختلف الأنظمة، وتمكين الأرملة من معاش كامل يعادل 100 في المائة من المعاش الرئيسي المستحق للزوج المتوفى، بدل نسبة 50 في المائة المعمول بها حاليا، مع الحفاظ على حقوق الأيتام وباقي ذوي الحقوق.
– المدرسة العمومية والسكن.. الاستثمار في الإنسان والمجال
يمنح البرنامج الحكومي إصلاح التعليم والتكوين والبحث العلمي مكانة أساسية، انطلاقا من أن التحدي لم يعد مقتصرا على توسيع الولوج إلى المدرسة، بل أصبح مرتبطا بجودة التعلمات وقدرة المنظومة على إعداد أجيال مؤهلة للتفاعل مع التحولات الوطنية والدولية.
وتستهدف الحكومة رفع نسبة التلاميذ المتحكمين في التعلمات والكفايات الأساسية إلى 80 في المائة على الأقل في أفق سنة 2031، من خلال مواصلة تطوير وتعميم نموذج مؤسسات الريادة، وإعداد مرجع وطني ملزم للتعلمات الأساسية، واعتماد تقييمات تشخيصية منتظمة، وتعزيز الدعم التربوي والمواكبة الفردية للتلاميذ.
كما يضع البرنامج هدف “صفر انقطاع عن الدراسة” في أفق سنة 2030، عبر الرصد المبكر للتلاميذ المهددين بالانقطاع، والتتبع الفردي لمساراتهم، وتوجيه المنقطعين نحو حلول بديلة تشمل إعادة الإدماج في التعليم أو الالتحاق بالتكوين المهني أو الاستفادة من التكوين بالتدرج.
وفي مجال السكن، تتبنى الحكومة مقاربة تتجاوز منطق إنتاج الوحدات السكنية إلى توفير سكن ملائم وميسور التكلفة، وتحسين جودة الأحياء، وتقريب السكن من فرص الشغل والنقل والخدمات، والحد من الفوارق المجالية.
وتشمل التدابير مواصلة دعم التملك وزيادة عرض السكن، وإحداث عرض وطني مخصص للكراء، وتطوير حلول لفائدة موظفي القطاعات التي تواجه صعوبات في الاستقطاب، إلى جانب استكمال القضاء على السكن غير اللائق وتعزيز برامج السكن القروي.
وفي هذا الإطار، يستهدف البرنامج تأهيل أو بناء 100 ألف مسكن في الوسط القروي خلال الولاية الحكومية، مع منح دعم مباشر بقيمة 40 ألف درهم للأسرة المؤهلة، وتوفير مواكبة تقنية مجانية، فضلا عن إعداد قانون للتعمير بالعالم القروي يهدف إلى تبسيط مساطر البناء وتسوية وضعية المباني القائمة متى ثبتت سلامتها واحترامها لحقوق الغير.

– الشباب في صلب السياسات.. رهانات التكوين والتشغيل والمبادرة
يبرز إدماج الشباب باعتباره إحدى القضايا الأكثر إلحاحا في البرنامج الحكومي، بالنظر إلى المعطيات الواردة في التصريح، التي تشير إلى وجود نحو 2.9 مليون شاب وشابة تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة خارج التعليم والتكوين والشغل، وإلى بلوغ معدل البطالة في الفئة العمرية بين 15 و24 سنة 29.2 في المائة، فضلا عن مغادرة نحو 300 ألف تلميذ الدراسة سنويا دون تأهيل.
ولمواجهة هذه التحديات، تعتزم الحكومة إطلاق برنامج وطني للمواكبة الاجتماعية الترابية ابتداء من سنة 2027، يستهدف تكوين 100 ألف شاب سنويا وفق حاجيات المقاولات، وتمكين نحو 100 ألف شاب سنويا من أول تجربة مهنية، ورفع الطاقة الاستيعابية للتكوين بالتدرج إلى ما بين 150 ألفا و200 ألف مستفيد سنويا.
وتتجاوز هذه المقاربة معالجة البطالة في بعدها المباشر، لتشمل مواكبة الشباب في مساراتهم الاقتصادية والاجتماعية، وتيسير ولوجهم إلى الفرص، وتعزيز قابلية تشغيلهم، وربط التكوين بالحاجيات الفعلية لسوق الشغل.
كما يتضمن البرنامج مواكبة 60 ألف مقاولة، عبر الاحتضان وتسهيل التمويل والضمان والولوج إلى الأسواق والصفقات العمومية، إلى جانب تفعيل جواز الحركية المهنية لمساعدة الباحثين عن العمل خارج مناطق إقامتهم، وتوفير مساكن للكراء بأسعار مناسبة، وإبرام اتفاقيات مع الدول التي تحتاج إلى مهارات مهنية معينة.
وتؤكد الحكومة، في هذا السياق، عزمها وضع استراتيجية وطنية مندمجة للشباب، تقوم على حكامة تشاركية وشاملة، وتحسين الإطار المؤسساتي، وضمان حقوق واضحة وآليات للمواكبة والولوج إلى الفرص الاقتصادية.
ويشمل هذا الالتزام مختلف القطاعات، من المدرسة العمومية والتكوين المهني إلى المشاركة السياسية والمؤسساتية، والاستفادة من المشاريع الكبرى وأوراش كأس العالم 2030، وتكوين الكفاءات في مهن الرقمنة، فضلا عن دعم عودة الكفاءات المغربية وتقليص هجرة حاملي الشهادات العليا.
– السيادة المائية والغذائية والطاقية والرقمية.. حماية مقومات التنمية
في ظل التحولات الدولية وتزايد المخاطر الجيوسياسية والمناخية والتكنولوجية، يضع البرنامج الحكومي تأمين السيادة الاستراتيجية ضمن أولوياته، من خلال مقاربة تشمل الماء والطاقة والغذاء والصناعة والبيئة والأمن الرقمي.
وفي مجال الطاقة، تستهدف الحكومة رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52 في المائة من المزيج الطاقي في أفق سنة 2030، مع مواصلة تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، والتقدم في تنفيذ خارطة طريق البنيات التحتية للغاز، وترشيد الطلب على الطاقة وتعزيز النجاعة الطاقية.
أما الأمن المائي، فيرتكز على تنويع العرض المائي وتقويته، وتسريع إنجاز السدود، خاصة بالمناطق الجافة وشبه الجافة والجبلية والواحات، إلى جانب تطوير محطات تحلية مياه البحر بهدف تعبئة 1.8 مليار متر مكعب في أفق سنة 2031، وإنجاز مشاريع تحويل المياه بين الأحواض والجهات عند الضرورة، مع مراعاة التوازنات المائية للمناطق المعنية.
كما تعتزم الحكومة إعداد مخطط وطني للماء يشكل إطارا استراتيجيا طويل الأمد لتوجيه السياسة المائية وتحقيق الانسجام بين السياسات المرتبطة بالماء والفلاحة والطاقة والبيئة وإعداد التراب.
وفي الأمن الغذائي، ينتقل البرنامج من الدعم الظرفي إلى التحكم في عوامل الإنتاج، من خلال برنامج للسيادة في البذور يهدف إلى رفع حصة البذور الوطنية من 20 إلى 50 في المائة خلال الولاية الحكومية، مع تأمين المخزونات وتموين السوق وضبط صادرات السلاسل الحساسة، ومواصلة إعادة تكوين القطيع الوطني عبر دعم صغار الكسابين وتحسين الولوج إلى السلالات عالية الإنتاجية وتقوية اليقظة الصحية والوبائية.
وتشمل السيادة الاستراتيجية أيضا المجال الرقمي، عبر إحداث آلية وطنية مندمجة للأمن السيبراني وحماية البيانات والأنظمة الحيوية، وتوسيع الولوج إلى الإنترنت، خاصة بالمناطق النائية، وإعداد إطار للذكاء الاصطناعي الآمن والمسؤول، وتحسين شروط استقطاب الاستثمار ودعم المقاولات الناشئة المبتكرة.
كما يراهن البرنامج على تعزيز السيادة الصناعية وموقع المغرب في سلاسل القيمة، وتطوير الممرات البحرية واللوجستية والطاقية والصناعات منخفضة الكربون، وتفعيل المبادرات الملكية الإفريقية والأطلسية، إلى جانب توفير شروط بناء قاعدة صناعية وتكنولوجية دفاعية، وتكوين أسطول بحري تجاري وطني قوي وتنافسي، وتسريع المشاريع المينائية الكبرى والمناطق اللوجستية والصناعية المرتبطة بها.

– اقتصاد منتج ونمو مستدام لتمويل الطموح الاجتماعي
تدرك الحكومة، وفق التصريح، أن تحقيق الأولويات الاجتماعية والسيادية يظل مرتبطا بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج قيمة مضافة عالية، وخلق فرص الشغل، وتوسيع الموارد اللازمة لتمويل السياسات العمومية.
ومن هذا المنطلق، يتبنى البرنامج توجها اقتصاديا يستهدف تحقيق توازن أكبر بين الإنتاج والخدمات، وتنويع الاقتصاد الوطني، وامتلاك التكنولوجيا، وتسريع التحول الطاقي والسيادة الرقمية والعلمية، وتعزيز الصناعة الوطنية بهدف تعويض الواردات، خصوصا المنتجات تامة الصنع.
ويشمل هذا التوجه تقوية الاستثمار في البنيات الأساسية والقطاعات الإنتاجية، ومواصلة تحديث الفلاحة، وإطلاق خارطة طريق سياحية للفترة 2027-2030 تستهدف بلوغ 26 مليون سائح بحلول سنة 2030، إلى جانب تطوير التعاونيات والاقتصاد الاجتماعي والتضامني واقتصاد الرياضة.
وفيما يخص الاستثمار، يطمح البرنامج إلى رفع مساهمة القطاع الخاص إلى ثلثي الاستثمار الوطني، عبر مواصلة دعم ميثاق الاستثمار، وتسريع المشاريع المتعاقد بشأنها، وإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، ومواكبة المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، وتيسير حصولها على التمويل والضمان والصفقات العمومية.
كما تسعى الحكومة إلى توسيع التمويلات البنكية وغير البنكية الموجهة للاستثمار المنتج والمشاريع الكبرى والابتكار والتصنيع والتصدير، وتعبئة الادخار الوطني، ولاسيما الادخار المؤسساتي، وإنعاش الأسواق المالية، مع مواصلة إعادة هيكلة المحفظة العمومية ومعالجة الوضعية المالية للمؤسسات والمقاولات العمومية.
وعلى مستوى التوازنات الماكرو اقتصادية، يحدد البرنامج أهدافا تتمثل في تحقيق متوسط نمو سنوي بنسبة 5 في المائة خلال الفترة 2027-2031، وحصر التضخم في حدود 2 في المائة سنويا، وضبط عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي خلال الفترة 2026-2031، مع وضع المديونية العمومية في مسار تنازلي يستهدف بلوغ نحو 62 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي بحلول سنة 2031.
وتستند هذه الأهداف إلى توسيع الوعاء الضريبي، وتحسين نجاعة الإنفاق العمومي، والاستفادة من أثر النمو الاقتصادي، وتعزيز إسهام المؤسسات والمقاولات العمومية في تمويل الأولويات الوطنية.
– الهوية والتماسك المجتمعي.. تنمية تحمي التعدد وتوسع المشاركة
إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، يولي البرنامج أهمية لصيانة الهوية المغربية الجامعة، وتعزيز التضامن بين الفئات والأجيال والجهات، والحفاظ على الأسرة باعتبارها أساس التوازن المجتمعي.
وفي هذا الإطار، تلتزم الحكومة بمواصلة تفعيل إصلاح مدونة الأسرة وفق التوجيهات الملكية، واعتماد سياسة مندمجة للطفولة والشباب والمسنين، وضمان حماية النساء والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة، وتعزيز المؤسسات الدستورية المعنية بالحقوق والمساواة والمناصفة.
كما يشمل البرنامج حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وتجديد الشراكة مع المجتمع المدني من خلال تبسيط مساطر الترخيص للجمعيات وتفعيل الحق في الحصول على المعلومة.
وفيما يتعلق بالأمازيغية، يعلن البرنامج إحداث صندوق خاص باعتمادات تبلغ ملياري درهم، وإحداث لجنة وزارية دائمة لدى رئيسة الحكومة لتتبع إدماجها في التعليم والإدارة والقضاء والإعلام والتشوير العمومي، مع نشر مؤشرات التغطية في تقرير سنوي.
ويمتد هذا التوجه إلى الحفاظ على التراث وتوسيع الولوج إلى الثقافة بإنصاف مجالي، وتعزيز إسهامها في التنمية والجاذبية السياحية والاستدامة، فضلا عن اعتماد سياسة دامجة لمغاربة العالم تضمن مشاركتهم المواطنة والتواصل المستمر معهم وتيسير مساهمتهم في تنمية وطنهم.
– مسؤولية التنفيذ ورهان الأثر الملموس
في ختام تصريحها، شددت رئيسة الحكومة على أن تنفيذ البرنامج مسؤولية حكومية تسندها رقابة البرلمان وتقييمه، إلى جانب إسهام القوى الوطنية والإعلام، مؤكدة أن الحكومة ستكون في خدمة جميع المغاربة بمختلف فئاتهم واختياراتهم السياسية.
كما أكدت انفتاحها على الأغلبية والمعارضة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين والمجتمع المدني والحقوقي والإعلامي والكفاءات الوطنية، مع الالتزام بإبقاء الحوار مفتوحا أمام المقترحات الجادة والنقد البناء.
ويقدم البرنامج الحكومي، في مجمله، تصورا مترابطا لمرحلة تنموية يلتقي فيها الإصلاح المؤسساتي مع الإنصاف الاجتماعي، وإدماج الشباب مع تحفيز الاستثمار، وتأمين السيادة الاستراتيجية مع تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. وتكمن أهمية هذه المقاربة في ربط الأولويات الكبرى بأهداف رقمية ومواعيد محددة، بما يجعل تحسين جودة الخدمات، وتوسيع فرص الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز القدرة الشرائية، مؤشرات أساسية لقياس الأثر الذي تستهدفه السياسات العمومية خلال الولاية الحكومية 2026-2031.
سارة الرمشي