نظم حزب الأصالة والمعاصرة، مساء السبت 14 مارس 2026، بفندق حسان بالرباط، إفطارا رمضانيا تلاه حوار مفتوح حول موضوع “المنظومة الصحية بالمغرب: التحديات والفرص”، بحضور قيادات حزبية وعدد من مهنيي الصحة والخبراء والمهتمين بقضايا القطاع الصحي.
ويأتي تنظيم هذا اللقاء في إطار انخراط الحزب في النقاش العمومي حول مستقبل المنظومة الصحية الوطنية، تحت شعار يدعو إلى تحويل التحديات إلى فرص حقيقية لتطوير القطاع الصحي بالمغرب، عبر تعزيز الاستثمار العمومي في الصحة، وتقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية، إلى جانب تحفيز الكفاءات الطبية للحد من هجرة الأطباء، واعتماد الرقمنة كرافعة أساسية لتحديث الإدارة الصحية.
وفي كلمة له بالمناسبة، أكد إبراهيم أوباها عضو المجلس الوطني للحزب أن المنظومة الصحية بالمغرب، رغم المجهودات المبذولة خلال السنوات الأخيرة، ما تزال تواجه مجموعة من التحديات البنيوية، مشيرا إلى أن العديد من المستشفيات العمومية تعاني من الاكتظاظ ونقص الأطر الطبية والتجهيزات الضرورية.
وأضاف أن التفاوت القائم بين المدن والقرى في الولوج إلى الخدمات الصحية يطرح إشكالية العدالة المجالية في الحق في العلاج، وهو ما يدفع عددا من المواطنين إلى اللجوء إلى القطاع الخاص بسبب ضعف بعض الخدمات العمومية، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع تكاليف العلاج بالنسبة للأسر المغربية.
وأوضح المتحدث أن إصلاح المنظومة الصحية يعد ورشا استراتيجيا طويل المدى يتطلب مواصلة الإصلاحات وتعزيز الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، متسائلا في الوقت نفسه عما إذا كانت الإصلاحات الحالية قد نجحت فعلا في تحقيق الأهداف المرجوة.
وأكد أوباها أن الهدف من هذا النقاش ليس توجيه النقد بقدر ما هو دعوة للعمل الحقيقي، مبرزا أن الإصلاح الحقيقي هو الذي يجعل المواطن يشعر يوميا بتحسن جودة العلاج، بغض النظر عن مكان إقامته أو إمكاناته المالية. وأضاف أن الاحتفاء بالإصلاحات لن يكون ذا معنى إلا عندما تصبح الصحة حقاً ملموساً لكل المواطنين، وليس مجرد وعود.
وشدد على أن الصحة ليست امتيازا اجتماعيا، بل حق دستوري، وأن أي سياسة صحية لا تضمن العلاج الجيد لجميع المواطنين تحتاج إلى مراجعة عميقة.
من جهته، تحدث أكد الدكتور نجيب أمغار، الطبيب المتخصص في أمراض الكلى والكاتب العام لهيئات الطبيبات والأطباء، خلال اللقاء إلى أن موضوع النقاش لا يهم الأطباء فقط، بل يهم جميع المغاربة.
وأبرز أن الحديث عن الأطباء لا ينبغي أن يفهم على أنه نقاش نخبوي أو يخص فئة تنتمي إلى طبقة مميزة في المجتمع، موضحا أن الأطباء هم جزء من المجتمع المغربي، يتأثرون بما يتأثر به باقي المواطنين من تحديات وإكراهات، كما يستفيدون مما ينفع المجتمع ككل.
وأضاف أن منظومة الإصلاح وإعادة هيكلة القطاع الصحي، التي كانت محور اللقاء، عرفت بدورها عدة اختلالات في فترات مختلفة، حتى بدت أحيانا وكأنها تعاني من “أعطاب وأمراض” أكثر من المرضى أنفسهم. وذكر بأن هذا الورش يعد مشروعا ملكيا استراتيجيا، وأن جائحة كورونا كشفت بشكل واضح حساسية القطاع الصحي وأهميته، كما أبرزت في الوقت نفسه هشاشته والحاجة الملحة إلى إصلاحات عميقة، خاصة في ما يتعلق بتعزيز الحماية الاجتماعية وتعميم التغطية الصحية.
وأشار إلى أن قانون تعميم الحماية الاجتماعية لسنة 2021 يشكل محطة أساسية في هذا المسار، إذ يقوم على أربعة محاور رئيسية، من بينها تعميم التأمين الصحي الإجباري، والتعويض عن فقدان الشغل، وأنظمة التقاعد. وأبرز أن نجاح إصلاح القطاع الصحي يظل رهينا بتحقيق تعميم فعلي للحماية الاجتماعية لفائدة جميع المغاربة، مذكرا بأنه قبل سنة 2021 لم يكن يستفيد من التأمين عن المرض سوى نحو ثلث المواطنين، أي حوالي 11 مليون مغربي فقط، في حين أن هذا الورش اليوم يفتح آفاقًا أوسع، رغم أن المنظومة الصحية لا تزال في حاجة إلى مزيد من الجهود والعمل.
بدوره، قدم يوسف الفقير، أستاذ الأشعة والخبير في الأشعة عن بعد، عرضا بعنوان “نظام الصحة في المغرب: من المناصرة إلى الإصلاح- نحو نموذج عادل وسيادي وصامد”، استعرض فيه أبرز الاختلالات البنيوية التي يعاني منها النظام الصحي.
وأشار إلى عدد من الإشكالات المرتبطة بغياب التنظيم المستقل، وعدم اعتماد المؤسسات الصحية، وتشتت الممارسات السريرية، وضعف التقييم التقني، إضافة إلى استمرار النزاعات التعريفية داخل القطاع، إلى جانب محدودية برامج التكوين المستمر.
وأكد أن مشكلة النظام الصحي المغربي ليست مشكلة مالية فقط، بل ترتبط أساسا بإشكالات الحكامة والبنية المؤسساتية وطبيعة القرار السياسي المؤطر للقطاع.
وقد فتح اللقاء نقاشا موسعا بين الحاضرين، حيث تطرق المشاركون إلى مختلف الإكراهات والتحديات التي تواجه المنظومة الصحية بالمغرب، كما قدموا عددا من المقترحات العملية الكفيلة بتجويد الخدمات الصحية وتعزيز العدالة في الولوج إلى العلاج.
ويأتي هذا اللقاء في إطار حرص حزب الأصالة والمعاصرة على إثراء النقاش العمومي حول الإصلاحات الكبرى التي يعرفها المغرب، والإسهام في بلورة تصورات واقعية من شأنها دعم بناء منظومة صحية أكثر إنصافا ونجاعة.
تحرير: خديجة الرحالي/ تصوير: ياسين الزهراوي





