بقلم مينة الروشاطي*
عندما تتحول المعارضة من شريك مؤسساتي إلى قوة تعطيل، فإنها تنتقل من ممارسة حقها الرقابي والتشريعي إلى عرقلة العمل البرلماني نفسه.
وقد يكون هذا التحول نتيجة الإحباط من هيمنة الأغلبية على القرار، أو بسبب ضعف الإمكانات والقدرات الداخلية، أو سعيا إلى تحقيق مكاسب سياسية ظرفية.
وفي هذه الحالة، تتحول المعارضة من سلطة اقتراح ومساءلة إلى سلطة منع وعرقلة، بما يضعف المؤسسة التشريعية باعتبارها فضاء لصناعة القرار وممارسة الاختلاف السياسي.
وتتجلى أبرز مظاهر قوة التعطيل في الانسحاب من جلسات التصويت ومقاطعة الجلسات البرلمانية، فبدلا من ممارسة الحق في التصويت أو تقديم التعديلات والإسهام في مناقشة القوانين، تلجأ المعارضة أحيانا إلى الانسحاب من جلسات التصويت على النصوص التشريعية أو مقاطعة الجلسات العامة، وهو ما قد يحول دون أداء المؤسسة البرلمانية لوظائفها الدستورية على النحو المطلوب.
ومن مظاهر التعطيل أيضا عرقلة تشكيل هياكل المجلس ولجانه، كما حدث سنة 2021، عقب انتخابات 8 شتنبر من السنة نفسها، عندما أدى الخلاف بين أحزاب المعارضة حول رئاسة لجنة العدل والتشريع إلى تعثر تجديد هياكل مجلس النواب، وتوقف جانب من عمله، وكذا إلغاء جلسات رقابية مهمة. وهي حالة تكشف كيف يمكن للخلافات بين مكونات المعارضة أن تتجاوز حدود التنافس السياسي لتؤثر في السير العادي للمؤسسة التشريعية.
وهناك كذلك الرفض الشامل والمناورات السياسية بدل تقديم البدائل، فعندما تختار المعارضة مواجهة البرنامج الحكومي بأي ثمن، وتكتفي برفض كل شيء دون تقديم بدائل عملية، يتحول النقاش البرلماني إلى مناورات سياسية وجدال لا يفضي إلى حلول.
وينطبق الأمر نفسه على تقديم مقترحات قوانين دون مراعاة واقعيتها وقابليتها للتطبيق، بهدف تحقيق مكاسب استهلاكية أو إعلامية، بما يضعف جدوى العمل البرلماني دون أن يؤدي إلى إنتاج تشريعي فعلي.
– لماذا تتحول المعارضة إلى قوة تعطيل؟
تتعدد الأسباب التي قد تدفع المعارضة إلى تبني هذا النهج، ومن بينها ضعف الموارد والإمكانات، فعندما تكون قيادة المعارضة أو مكوناتها محدودة الموارد والقدرات، قد تجد في الرفض الشامل خيارا أسهل من الانخراط في العمل البناء، الذي يتطلب دراسة الميزانيات والنصوص التشريعية وإعداد التعديلات وتقديم المقترحات.
ومن الأسباب أيضا حالة الانسداد مع الأغلبية، فعندما لا تتيح الحكومة والأغلبية للمعارضة هامشا كافيا للتأثير في صناعة القرار، قد تلجأ هذه الأخيرة إلى العرقلة باعتبارها وسيلة للتعبير عن رفضها للتهميش، والضغط من أجل أخذ مواقفها ومقترحاتها بعين الاعتبار.
كما يمثل غياب البديل الواضح عاملا آخر في تحول المعارضة إلى قوة تعطيل، حين يتحول مشروعها من ممارسة دور رقابي وتشريعي إلى السعي لإطالة أمد تشكيل الحكومة أو تعطيل عمل المؤسسات، دون تقديم بديل حكومي واضح أو تصور سياسي قادر على إقناع الرأي العام.
ولا تقل الخلافات الداخلية بين مكونات المعارضة أهمية عن هذه الأسباب، سواء تعلقت بالمنافسة حول المناصب أو الاختلاف بشأن الاستراتيجيات والمواقف. فقد تؤدي هذه الخلافات إلى شلل في عمل المجلس، كما أظهرت حالة تعثر تجديد هياكله سنة 2021.
– الفرق بين التعطيل كأداة مشروعة وممارسة سلبية
من المهم التمييز بين التعطيل المشروع والتعطيل السلبي، فالتعطيل المشروع يتمثل في استخدام الأدوات الدستورية المتاحة للمعارضة، مثل ممارسة الرقابة، والتصويت ضد بعض القرارات، وطلب تشكيل لجان تقصي الحقائق، باعتبارها وسائل مشروعة لممارسة الضغط الرقابي والمؤسساتي.
إن استعمال هذه الآليات حق دستوري، غير أنه ينبغي أن يظل مرتبطاً بأهداف رقابية واضحة، وأن يكون أداة استثنائية ضمن استراتيجية عمل مؤسساتي، لا أن يتحول إلى نهج دائم يعطل عمل المؤسسة التشريعية.
أما التعطيل السلبي، فيتمثل في تحويل هذه الأدوات أو غيرها إلى ممارسة يومية تروم عرقلة أي إنتاج تشريعي أو رقابي، دون هدف مؤسساتي واضح. وهو ما يحرم المعارضة نفسها من ممارسة مهامها الدستورية، ويضعف مصداقيتها أمام الرأي العام.
وعندما تتحول المعارضة إلى قوة تعطيل، فإنها لا تضعف الحكومة وحدها، بل تضعف البرلمان ككل، وتسهم في فقدان الثقة في جدوى العمل المؤسساتي، وتفرغ الديمقراطية من مضمونها القائم على التداول والاختلاف وتقديم البدائل.
*عضو مجلس جهة طنجة- تطوان- الحسيمة