تراهن؛ الحكومة على إعادة تنظيم عدد من الآليات المرتبطة بالدخل والاستهلاك، من خلال مراجعة الضريبة على الدخل، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وإعادة النظر في قنوات توزيع المنتجات الأساسية، في إطار توجه يروم تحسين الوضع المعيشي للأسر المغربية وتعزيز قدرتها على مواجهة تكاليف الحياة اليومية.
وتندرج هذه التوجهات ضمن التدابير التي عرضها سمير بلفقيه، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال استضافته في برنامج “مع الرمضاني” على القناة الثانية، حيث تناول أبرز الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية التي تعتزم الحكومة تنزيلها خلال ولايتها الجديدة.
وفي مقدمة التدابير المرتبطة بتحسين المداخيل، أعلن بلفقيه أن مراجعة الضريبة على الدخل ستشمل موظفي القطاع العام والأجراء في القطاع الخاص، عبر تقليص عدد الشرائح الضريبية إلى ثلاث، مع تنفيذ الإصلاح على مراحل تمتد إلى سنة 2031، موضحا أن هذه المراجعة قد تتيح لبعض الأجراء زيادات في أجورهم الصافية تتراوح بين 500 و1000 درهم، بحسب الحالات المعنية.
وبرر المسؤول الحكومي اختيار هذا المسار بكون تعديل الضريبة يتيح تدخلا مباشرا في الدخل الصافي للأجراء، في حين أن الزيادة العامة في الأجور تستلزم مسارا تفاوضيا قد يمتد لفترة طويلة، ويضع هذا التوجه تحسين الدخل الصافي ضمن الأدوات التي تراهن عليها الحكومة لتحقيق أثر اجتماعي ملموس خلال السنوات المقبلة.
وعلى مستوى الحماية الاجتماعية، كشف بلفقيه أن مشروع قانون المالية لسنة 2027 سيحمل أول زيادة في الحد الأدنى للمعاشات، في أفق بلوغ 3000 درهم بصورة تدريجية، كما ستتضمن التدابير المرتقبة معالجة وضعية معاشات الأرامل، من خلال تمكينهن من معاشات كاملة، مع صيانة الحقوق المستحقة لباقي ذوي الحقوق.
وتستند هذه الخطوة، وفق التوضيحات التي قدمها الناطق الرسمي باسم الحكومة، إلى مراعاة الأعباء التي تتحملها الأسر بعد فقدان أحد أفرادها، خصوصا عندما ينخفض المعاش المتاح بينما تظل المصاريف اليومية قائمة، ويضع هذا الإجراء الحماية الاجتماعية للأرامل ضمن الملفات التي تستهدف الحكومة معالجتها خلال الولاية الحالية.
وفيما يخص الدعم الاجتماعي المباشر، أكد بلفقيه أن بلوغ 1000 درهم سيتم عبر زيادات متدرجة على امتداد خمس سنوات، مع إمكانية تجاوز هذا المبلغ إذا سمحت الإمكانات المالية بذلك، وربط المسؤول الحكومي وتيرة التنفيذ بالموارد المتاحة، موضحا أن الالتزامات المعلنة تستند إلى دراسات مالية أنجزت قبل تحديد الاختيارات الحكومية.
ولا تقتصر المراجعة المرتقبة على قيمة الدعم، بل تمتد إلى شروط الاستفادة منه، إذ تتجه الحكومة إلى اعتماد مداخيل الأسرة أساسا لتحديد الاستحقاق، بدلا من المؤشر القائم على المصاريف، ويستهدف هذا التغيير مراجعة طريقة تقييم الوضعية الاقتصادية للأسر، بما يجعل الدخل معيارا مركزيا في تحديد المستفيدين.
ومن المنتظر أن يقدم مشروع مالية 2027 معطيات أكثر تفصيلا بشأن الكلفة المالية لهذه التدابير، وحجم الفئات المعنية بالدعم المباشر، إلى جانب عدد المستفيدين من الإجراءات المرتبطة بفواتير الكهرباء ومعاشات الأرامل.
وفي هذا السياق، أعلن بلفقيه إعفاء الأسر التي تقل فاتورة الكهرباء في مسكنها الرئيسي عن 100 درهم من أداء هذه الفاتورة، على أن يكشف المشروع المالي المقبل عدد الأسر المعنية وحجم الاعتمادات اللازمة لتنفيذ الإجراء.
وبالتوازي مع العمل على رفع المداخيل، تضع الحكومة مسألة ضبط أسعار المنتجات الأساسية ضمن المحور الثاني لتدخلها، مع التركيز على تقليص حلقات الوساطة التي تفصل بين المنتج والمستهلك، موضحا أن تعدد الوسطاء قد يؤدي إلى اتساع الفارق بين السعر الذي يحصل به المنتج على مستحقاته والثمن الذي يؤديه المواطن عند الشراء، بما ينعكس سلبا على الطرفين.
ولتغيير هذه المعادلة، تتجه الحكومة إلى إحداث ست شركات جهوية تتولى الوساطة بين المنتجين والمستهلكين، في محاولة لإعادة تنظيم مسارات تسويق المنتجات والحد من تعدد المتدخلين، ويرتبط هذا التوجه، بحسب المسؤول الحكومي، بإصلاح منظومة التوزيع وتحسين وصول المنتجات إلى الأسواق بأثمان أكثر ملاءمة.
وتشمل التدابير المعلنة كذلك تحديث أسواق الجملة، وتطوير إمكانات تخزين المنتجات عبر تعزيز مسالك التبريد الخاصة بالأسماك واللحوم، وتستهدف هذه الإجراءات تحسين ظروف التسويق والتخزين، والحد من الاختلالات التي قد تؤثر في الأسعار، خصوصا بالنسبة إلى المواد الغذائية الأكثر حضورا في الاستهلاك اليومي للأسر.
كما تطرق بلفقيه إلى ضرورة تنظيم تدبير الإنتاج الوطني بما يضمن إعطاء الأولوية لتلبية حاجيات السوق الداخلية، في إطار تعزيز السيادة الغذائية، ويرتبط هذا التوجه بمراجعة تنظيم مسارات التصدير، مع التركيز على ضمان توافر اللحوم والأسماك والخضر والفواكه في السوق الوطنية بأسعار معقولة.
وفي ملف المحروقات، تناول الناطق الرسمي باسم الحكومة مسألة الدعم الموجه إلى قطاع النقل، معتبرا أن تقييم أثر ارتفاع أسعار الغازوال ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الدعم الذي يستفيد منه بعض الفاعلين في هذا القطاع، كما استبعد اللجوء إلى تسقيف أسعار المحروقات، محذرا من أن هذا الخيار قد يعيد الضغط على صندوق المقاصة.
وتعكس هذه التدابير، في مجملها، توجها حكوميا يجمع بين التدخل في مداخيل الأسر ومراجعة شروط الاستفادة من الدعم، وبين إصلاح قنوات تسويق المنتجات الأساسية.
وتتمثل الرهانات المطروحة في مدى قدرة هذه الإجراءات، وفق الجدولة الزمنية والإمكانات المالية المخصصة لها، على تحسين الدخل المتاح للأسر وتقليص كلفة المعيشة، مع ضمان استدامة التدابير الاجتماعية والمالية المصاحبة لها.
سارة الرمشي