يوسف العمادي.. صديق المهنة الذي ترك في القلب ما لا تمحوه الأيام

هناك أشخاص لا تختصرهم سنوات العمل المشترك ولا تقاسم مكان الاشتغال أو زوايا الاهتمام، ولا تنتهي علاقتنا بهم بانتهاء اللقاءات اليومية، لأنهم يتركون في حياتنا أثرا يتجاوز حدود المهنة إلى عمق الصداقة والأخوة الإنسانية.

يوسف العمادي واحدا من هؤلاء؛ أخا صادقا، وصديقا وفيا، وصحافيا خلوقا وكريما، مثالا حقا للصداقة الجميلة، جمعني به العمل منذ العام 2016، قبل أن تتحول زمالتنا إلى علاقة إنسانية ظلت حاضرة رغم تباعد المسافات وتغير الظروف.

اليوم، وأنا أكتب عن رحيله، أجدني أستعيد سنوات من الذكريات والمواقف التي جمعتنا، وأستحضر رجلا أحب مهنته، واعتز بجذوره، وساند زميلاته وزملاءه، وظل متمسكا بالحياة وهو يقاوم المرض القاسي حتى آخر رمق.

لا أكتب عن يوسف لأعدد مناقبه ولا محطات مساره المهني فحسب، بل لأوفيه بعض حقه، وأحفظ شهادة صديق عرف فيه من الخصال ما يجعل غيابه خسارة إنسانية ومهنية مؤلمة.

تعود بداية معرفتي بيوسف إلى سنة 2016، حين التحق بالعمل في البوابة الرسمية لحزب الأصالة والمعاصرة، وقد كنت الصحفي الأسبق في البوابة منذ العام 2013.

هناك، داخل مقر الحزب بشارع علال بن عبد الله في الرباط، بدأت حكاية الزمالة التي تحولت مع مرور الوقت إلى صداقة حقيقية.

كان المكان يجمعنا يوميا، وتجمعنا معه تفاصيل المهنة وضغوطها، وأحاديث لا تنتهي حول الصحافة وما يحيط بها من قضايا، إلى جانب مواقف إنسانية ومهنية كثيرة صنعت بيننا رابطا يتجاوز حدود العمل.

في ذلك المقر، لم تكن العلاقة بيننا مجرد لقاءات عابرة بين صحافيين يشتغلان في المؤسسة نفسها؛ فقد أتاحت لنا الأيام أن نتعرف عن قرب على بعضنا البعض، وأن نكتشف في يوسف جوانب إنسانية كانت تمنحه مكانة خاصة لدى من يشتغلون إلى جانبه.

كان يوسف رحمه الله صحافيا خلوقا، كريما شهما، وأخا صادقا وشجاعا، حاضرا إلى جانب زميلاته وزملائه، لا يتردد في دعمهم ومساندتهم، ومثالا لما ينبغي أن تكون عليه العلاقة داخل الوسط المهني: علاقة قوامها الاحترام والتضامن والتقدير المتبادل.

وكان احترام يوسف داخل محيطه المهني أمرا يلمسه من اشتغلوا معه، فقد حظي بتقدير رؤساء التحرير وغيرهم ممن جمعتهم بهم التجربة المهنية.

ولم يكن ذلك منفصلا عن سلوكه اليومي، ولا عن الطريقة التي كان يتعامل بها مع الآخرين؛ إذ إن الاحترام الحقيقي لا تصنعه الكلمات، بل تبنيه المواقف، وتثبته طريقة الإنسان في أداء عمله وفي تعامله مع زملائه.

أما يوسف الإنسان، فكانت له عوالمه الخاصة التي تكشف عن شخصية مميزة بشغفها وقناعاتها، عرفته محبا للقراءة والكتب والجرائد، يداعب فنجان القهوة ويهامس أنيسه القط، يجد في كل ذلك ما يتجاوز المعرفة العابرة إلى متعة الاكتشاف وتوسيع الأفق.

عشق يوسف وطنه بلا حدود، معتزا بأصوله الأمازيغية السوسية، يحمل هذا الانتماء باعتزاز، باعتباره جزءا من هويته وذاكرته وجذوره، وقد اجتمعت فيه، كما عرفته، ملامح الصحافي الذي لا ينفصل اهتمامه بالشأن العام عن فضوله المعرفي، ولا تنفصل هويته عن انفتاحه على محيطه وقضايا وطنه.

ولم يكن شغفه بالصحافة منفصلا عن طبيعة الموضوعات التي اشتغل عليها؛ فقد عمل يوسف في يومية “الأخبار”؛ وتميز في صحافة التحقيقات، وهي تجربة مهنية تستدعي البحث والتدقيق والصبر في تتبع التفاصيل، والقدرة على النفاذ إلى ما وراء ظاهر الأحداث.

كما كان عاشقا للميكروفون، وقدم عددا من البرامج التي تناولت قضايا واهتمامات حزب الأصالة والمعاصرة، في تجربة إعلامية تكشف عن تعدد اهتماماته المهنية، وعن شغفه بالتواصل ونقل الأفكار والمواقف إلى الجمهور.

ولم تكن علاقته بالمهنة محصورة في الكتابة والتحرير، بل امتدت إلى العمل الإعلامي المباشر، حيث يجد الصحافي في الصوت مساحة أخرى للتعبير والتفاعل.

ومع مرور الوقت، لم تحصرنا المسافة في حدود ما تفرضه المهنة من لقاءات يومية، ظل التواصل قائما بيننا، وكان يوسف يتصل بي هاتفيا بين الفينة والأخرى، لنتبادل أطراف الحديث في مواضيع شتى.

لم تكن مكالماتنا مرتبطة دائما بموضوع مهني محدد، ولم تكن تحتاج إلى مناسبة خاصة كي تبدأ؛ كان الحديث يتشعب من قضية إلى أخرى، ومن شأن عام إلى تفاصيل الحياة، في عفوية تعكس طبيعة الصداقة التي نشأت بيننا؛ يثني علي ويشجعني كلما قرأ لي مقالا راقه.

وإلى جانب ذكريات العمل التي جمعتنا في مقر الحزب بالرباط، احتفظت بذكريات أخرى من لقاءات مهنية جمعتنا في الدار البيضاء ومراكش، كانت تلك المحطات امتدادا لعلاقتنا، وفرصة لتقاسم تفاصيل إضافية من التجربة المهنية والإنسانية، بعيدا عن روتين العمل اليومي. فبعض العلاقات التي تبدأ داخل المؤسسات تتجاوز حدودها، لتصبح جزءا من حياة أصحابها وذاكرتهم.

ومن الذكريات التي أحتفظ بها عن يوسف زيارته لي في مدينة طنجة ذات يوم. يومها، أتيحت لي فرصة استقباله وتعريفه بالمدينة، وببعض معالمها ومآثرها، في لحظات تجاوزت معنى الزيارة العابرة لتمنح الصداقة مساحة أخرى خارج فضاء العمل بالرباط.

وما زلت أستحضر تلك الزيارة باعتبارها واحدة من المحطات التي تؤكد أن علاقات المهنة الجميلة لا تنتهي عند باب المؤسسة، بل قد تتحول إلى صلات إنسانية تمتد بين المدن، وتمنح الزملاء فرصة اكتشاف بعضهم البعض في سياقات مختلفة.

لكن ما يجعل استحضار يوسف اليوم أكثر إيلاما هو رحيله بعد معاناة قاسية مع المرض، الذي قاومه حتى آخر رمق، واجه محنته بشجاعة، وظل يقاوم قسوة المرض إلى النهاية، تجربته كانت مثالا لشاب صبور بشوش في لحظات المحن، في معركة إنسانية مؤلمة لا يمكن اختزالها في كلمات الرثاء.

وحين أستحضر هذه المرحلة من حياته، أجدني أمام صورة أخرى من صور يوسف، صورة الإنسان الذي خاض معركته حتى آخر لحظة، تاركا في نفوس من أحبوه مشاعر الحزن والأسى، مقرونة بالتقدير لما واجهه من ألم ومعاناة.

لقد علمتنا المهنة أن نكتب عن الآخرين، وأن نبحث عن تفاصيل الأخبار وخلفياتها، وأن نمنح الأحداث عناوينها وكلماتها المناسبة، لكنها لا تعلمنا كيف نكتب بسهولة عن زميل غادرنا، ولا كيف نرتب مشاعرنا حين يصبح الاسم الذي اعتدنا حضوره جزءا من خبر الفقد.

هنا تتراجع لغة المهنة أمام لغة الإنسان، ويصبح الصمت أحيانا أبلغ من كل ما يمكن أن تسعفه به البلاغة.

لا أريد أن أقدم يوسف في صورة مثالية منفصلة عن حقيقة البشر، ولا أن أختزل حياته في عبارات جاهزة تقال في مناسبات الوداع.

أريد أن أتذكره كما عرفته: صحافيا شغوفا بالقراءة، معتزا بجذوره الأمازيغية السوسية، محبا لوطنه، وكريما شهما، وأخا صادقا وشجاعا، حريصا على دعم زميلاته وزملائه، وصديقا ظل يتواصل معي رغم تغير الظروف وتباعد المسافات.

وأريد أن أستحضر أيضا شغفه بالميكروفون، وتجربته في صحافة التحقيقات، والبرامج التي قدمها حول قضايا واهتمامات حزب الأصالة والمعاصرة، باعتبارها محطات من مساره المهني الذي يستحق أن يُذكر بكل تقدير.

تلك هي الشهادة التي أستطيع أن أقدمها عنه، وهي شهادة لا تستند إلى المبالغة، بل إلى تجربة عشتها معه منذ العام 2016.

وقد تكون هذه التفاصيل، في ظاهرها، بسيطة، لكنها في ميزان الصداقة هي ما يمنح الذكرى معناها الحقيقي.

فالإنسان لا يختصر في سيرته المهنية وحدها، وإنما يعرف أيضا بما يتركه في نفوس الآخرين، وبما يستمر من حضوره في حياتهم بعد غيابه.

إنني أكتب عن يوسف اليوم بصفتي زميلا وصديقا يستشعر مرارة الفقد، لا بصفتي صاحب شهادة نهائية في مسار رجل رحل.

أكتب عن أخ صادق، وصحافي أحب مهنته، وإنسان كان حاضرا إلى جانب زميلاته وزملائه، وعن رجل قاوم المرض القاسي حتى آخر رمق.

أكتب عن يوسف الذي عرفته في مقر الحزب بشارع علال بن عبد الله في الرباط، وفي لقاءات العمل بالدار البيضاء ومراكش، وفي مكالمات هاتفية ظلت تصلني بين الفينة والأخرى، وفي زيارة إلى طنجة ستبقى واحدة من صفحات ذاكرتي الجميلة.

أكتب أو بالأحرى أتذكر تفاصيل آخر محادثة جمعتنا قبل أسبوع، كانت جملا قصيرة المبنى عميقة الدلالات..

ولعل أصعب ما في الرحيل أنه يترك للأحياء مهمة استعادة ما كان عاديا في الأمس، وتحويله اليوم إلى ذكرى عزيزة، فالأيام المشتركة، وأحاديث العمل، وتفاصيل الحياة المهنية التي قد تبدو بسيطة في حينها، تصبح بعد الفقد جزءا من ذاكرة لا يمكن استعادتها إلا بالقلب.

ومن هنا، فإن تكريم الراحل لا يكون بالمبالغة في وصفه، بل بالوفاء لما عرفناه عنه، والاعتراف بما تركه من أثر طيب في حياتنا.

رحل يوسف العمادي، لكن رحيله لا يمحو السنوات التي جمعتنا، ولا يلغي المواقف التي تقاسمناها، ولا يجعل تلك المكالمات الهاتفية وزيارته إلى طنجة أقل حضورا في ذاكرتي.

ستظل هذه التفاصيل جزءا من حكاية صداقة بدأت في فضاء العمل، ثم تجاوزته إلى مساحة أرحب، حيث لا تعود العلاقة محكومة بالمواعيد والمهام، بل بما ينشأ بين الناس من تقدير ومودة ووفاء.

يوسف، في هذه اللحظة، لا أريد أن أستحضر رحيلك باعتباره نهاية سطر في سجل مهني، ولا أن أختصر ذكراك في كلمات التعزية التي تتكرر في مثل هذه المناسبات.

أريد أن أمنحك حقك في الوفاء، وأن أقول إنك كنت بالنسبة إلي أخاً صادقا وصديقا وفيا، وصحافيا خلوقا وكريما وشهما وشجاعا، وإن ما جمعنا من ذكريات ومواقف سيظل حاضرا مهما طال الزمن.

رحم الله يوسف العمادي رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما عاناه في مرضه في ميزان حسناته، وألهم أسرته وذويه وأصدقاءه وزملاءه جميل الصبر والسلوان.

إلى روحك السلام، يا يوسف، ستبقى ذكراك جزءا من حكاية الزمالة التي لا تنتهي برحيل أصحابها، ومن ذاكرة المهنة التي لا تحفظ الأخبار وحدها، بل تحفظ أيضا أسماء من تقاسموا دربها، وتركوا خلفهم ما يستحق الوفاء.

وداعا يا أخي وصديقي، ستظل حاضرا في ذاكرة الزمالة، وفي حكايات الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة، وفي كل مرة نستعيد فيها تلك الأيام التي جمعتنا، وصوتك الذي أحب الميكروفون، ومكالماتك التي كانت تصلني من حين إلى آخر. بعض الأصدقاء لا يغيبون تماما، لأن ما يتركونه فينا أكبر من أن يرحل معهم.

بقلم: صديقك: مراد بنعلي

طنجة؛ مساء حزين جدا من يوم الخميس 08 أكتوبر 2026

Scroll to Top

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط

تشكيلة المكتب التنفيذي لنساء البام

الاسم الكامل الصفة الإقليم
قلوب فيطح رئيسة منظمة نساء البام وطني
نادية بزندفة النائبة الأولى وطني
سميرة صالح بناني النائبة الثانية درعة تافيلالت
فاطمة الطوسي أمينة المال وطني
لبنى أكنشيش نائبة أولى وطني
ابتسام حرمة نائبة ثانية وطني
دنيا ودغيري مقررة الرباط
أسماء بركيطة نائبة أولى الرباط
لالة إسلام باداد نائبة ثانية الرباط
benaddi_hassan_b027e48659
غشت 2008
تأسيس الحزب وانتخاب السيد حسن بنعدي أمينا عاما
biadiallahconfe_304286227
20-22 فبراير 2009
انعقاد المؤتمر الوطني الأول لحزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "السياسة بأخلاق أخرى"، وانتخاب السيد الشيخ بيد الله أمينا عاما
bakkouripam_438777855
17-19 فبراير 2012
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني، تحت شعار: "معاً . . لربح الرهانات"، وانتخاب السيد مصطفى بكوري أمينا عاما للحزب
https___cloudfront-eu-central-1.images.arcpublishing
22-24 يناير 2016:
انعقاد المؤتمر الوطني الثالث، تحت شعار: "مغرب الجهات: انخراط واع ومسؤول"، وانتخاب السيد إلياس العمري أمينا عاما للحزب
benchamass
2018
انعقاد دورة استثنائية للمجلس الوطني للحزب، وانتخاب السيد حكيم بنشماش أمينا عاما
ouhbi
7-9 فبراير 2020
انعقاد المؤتمر الوطني الرابع، تحت شعار: "المغرب للجميع"، وانتخاب السيد عبد اللطيف وهبي امينا عاما للحزب
Screenshot from 2026-02-15 17-33-10
19-20 ماي 2023
انعقاد المؤتمر الوطني التأسيسي لمنظمة نساء حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "التمكين الشامل للمرأة أساس التنمية والمساواة"، وانتخاب السيدة قلوب فيطح رئيسة للمنظمة
9yada jama3ya
9-11 فبراير 2024
انعقاد المؤتمر الوطني الخامس للحزب، تحت شعار: "تجديد الذات الحزبية لضمان الاستمرارية"، واختيار صيغة القيادة الجماعية لأول مرة في المغرب
liberalinternational
دجنبر 2024
الانضمام إلى منظمة الليبرالية العالمية
salahabkari
26-27 شتنبر 2025
انعقاد المؤتمر الوطني الثاني لمنظمة شباب حزب الأصالة والمعاصرة، تحت شعار: "شبابٌ يقُودُ، أملٌ يعُودُ"، وانتخاب السيد صلاح الدين عبقري رئيسا للمنظمة